الرحمة

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 65 مشاركة
  • العمر 22

في مجتمعي أمثالٌ تحاكي الواقع نَدَر منها الّذي لا يتبعه الرحمة على أهل الأمثال بأنهم لم ينسوا من تفاصيل حياتنا شيئاً..

قيل مرة أمامي أن"الأسى لا يُنسى"...

مثلٌ واقعي لكنه غير كافٍ فقد وجب أن يرافق الأسى كلمة البرد ، أو بمعنى أصح شعوره

كالَّذي داهمني و أنا أدفن نفسي تحت عشراتٍ من الأغطية و التي برغم سمكها سكن البرد روحي و أضلعي.

لم أكن بحاجتها فذاك البرد لا يقيني منه سوى حضن أمي التي بتُّ في منزلها ضيفةً لا أكثر.

أنا بنت الثلاثة عشر ربيعاً تركت دفئي في منزل والدي و التجأت مكاناً آخر لا أعلم متى ينتهي عمر زيارتي له..

لو سمعني أحدهم أقول عن نفسي بنت الثلاثة عشر عاماً لشتمني فأنا اليوم أصبحت امرأة بغضِّ النظر عن عمري ..

خلعت من رقبتي سلسالاً خرزياً أهدته ذات يوم لي صديقةٌ تعاهدنا بأبدية علاقتنا، وارتديت طوقاً من الذهب.

استبدلت خاتمي ذي الألماسة البلاستيكية التي فقدتها إثر مشاجرتي مع أخي بخاتم براق فيه جواهر حقيقية قصصت تلك الجديلة لتتناسب مع لون شعري الأشقر الجديد..

لم أعد احمل على ظهري حقيبة فيها كتب مدرسية وإنما حقيبة نسائية بجلد أسود تحتل معصمي فيها كثير من الزينة التي حرمتني أمي اللعب فيها سابقاً الآن أصبحت ملكي..

لذا مرآتي الآن لا تعرفني ولا الشوارع أو الطرقات حتى حذائي الرياضي قد استبدلته بحذاء ذي كعب عالٍ يجعلني أصل إلى كتف ذلك الرجل الذي بسببه أصبحت امرأة

.. ذاك الذي قالت لي أمي أنه سيحقق أحلامي كلها، سيجلب لي كل الدمى التي حلمت بها،

ويعيرني هاتفه كي أرسل إلى شريط (سبيستون) رسالة أعترف بها أنني معجبة بالفارس النبيل.

سيأخذني إلى مدينة الألعاب ساعات طوال

والأهم أنه سيريحني من عناء الاستيقاظ الباكر إلى المدرسة وكتابة الواجبات و شتم المعلمة لي على تقصيري..

ها هو الرجل الذي يقولون عنه زوجي…

كانت أول صفعة منه على خدي عندما أخبرته ببراءة طفلة أن كلمة زوجي تذكرني بالرياضيات التي فيها الأرقام الزوجية والفردية ..

لم أفهم يومها سبب الصفعة لكنني ربطته بلفظ كلمة الرياضيات فكانت الصفعة الأولى والمرة الأخيرة التي أذكر بها شيئا عن العلم

فزوجي لا يحب المرأة المتعلمة و إنما اختارني لأنه يميل إلى الأنثى التي يقوم بتربيتها ..

خفت من الصفعة الثانية لذلك لم أجرؤ على إخباره أن والدي قام بتربيتي منذ الصغر ولست بحاجة لصفعاته كي أفهم ..

كتمتها في صدري كما كتمت ذلك البرد الدفين ..

حسناً ألم ينتهِ عمر تلك الزيارة ؟

ها أنا أقيم مع ذاك الرجل في منزله البارد منذ عشرة أيام

. أطول زيارة قمت من غير مرافقة أهلي كانت في منزل خالي لمدة لا تتجاوز خمس ساعات و اثنان وعشرون دقيقة و ست عشرة ثانية اشتقت بها لأمي كثيراً..لحضنها يحتويني و إلى دفء منزلي..

شعرت حينها ببرد كالذي يسكنني لكنه لم يكن بهذه القوة

اشتقت لعبتي (ساندي) ، ترى هل اعتنت بها أختي الصغرى أم تركتها تعاني البرد مثلي ؟

أتمنى ألَّا يفتح صندوق أمنياتي أحد من أهلي في غيابي فقد كتبت به أني سأكون يوماً طبيبة أعالج الآباء المرضى، لن أدع الموت يخطف أباً آخر من طفلته كما فعل معي

لم يقطع تلك الأفكار التي امتلكتني مع البرد في تلك الليلة إلا صوت زوجي يناديني لأجهز له وجبة الغداء ..

ما إن سمعت صوته حتى ركضت إلى طاولة الطعام فقد اعتدت أمي تناديني فور تحضيره.

أنا وهو وطاولة فارغة من الطعام ينتظر بعضنا الآخر أن يأتي بما يؤكل، رافقَتها صفعة ثانية أورمت خدي ..

الآن فهمت. . تحضير الطعام في وقت عودته من العمل كانت مهمتي..

منذ ذلك الحين إلى الآن و يدي تصالحت مع السكينة الكبيرة التي كلما شاهدتها ترحمت على قلمي الذي حلمت بحلول الراحة في غيابه

تلك الصفعة كانت كفيلة بتعلمي السريع للطبخ .. فالدجاجة التي كنت ألاعبها و إخوتي غدت ذبيحةً بين يدي ، السمكة التي طالما أفلتت يدي الآن أحكمتُ عليها السيطرة كي تكون وجبة الغداء المفضلة لزوجي

والبصل الذي اعتقدت أن أمي كانت تمازحنا بالبكاء أثناء تقطيعه بات يبكيني ..

ليس من رائحته فقط وإنما لأنه كان السبب في صفعتي الثالثة...

التي تسببت بكسر ضرس العقل قبل أن يكتمل نموه ..

فعليَّ ألا أجعل ذلك الرجل يشم رائحة الطعام في ثيابي لأن ذاك سيجلب له القلق و الاشمئزاز ليلاً ..

لم اعِ ذلك الا بصفعتين مؤلمتين .

لكنني في المحصلة فهمت .!

هكذا كبرت .. كان ذاك الرجل يعطيني الصفعات المتوالية ليجد الفهم السريع مني ..

ربما لم يلحظ الشق الهائل في روحي

ولم يسمع أنين طفولتي عندما شاهدت بنات من نفس عمري يلعبن ( الحيز ) في قارعة الطريق ..

كم تمنيت أن أركض نحوهم أرمي بالحجر و أقفز حتى أختال نفسي أطير ..

لكن حذائي ذي الكعب لا يسمح لي و التقاط الحجرة تلك سيتضرَّر طلاء أظافري ..

أيقظتني من تلك الأحلام قبضته الشديدة على ذراعي ..

تجاوبت معه و مشيت خوفاً من الصفعة الألف لكنني تركت بينهم روحي الطفلة ..

تركتُها تنعم بما قد أفقدتُها إياه بزواجي هذا ..

أذكر يومها أني عدت إلى المنزل أطالع نفسي بالمرآة.

أشاهدني بتمعن وتفكُّر للمرة الأولى ظهري لم يزل غضَّاً لا يقوى على الاستقامة ..

وتلك الضفيرة كانت تليق بوجهي المدوّر اكثر..

أظافري لا يليق بها الطلاء ابداً فقد أفسدتُها سابقاً بعادتي السيئة حينما كنت أضعها في فمي و أقضمها ..

رغم اصفرار وجهي إلا أن خدودي دائمة الحمرة بسبب صفعاته تلك.

اشتقت الخاتم المكسور و العقد الخرزي..

حقاً لقد كنت أجمل وابتسامتي كانت أعمق..

ليتني لم أتزوج ،ليتك يا أمي لم تغتالي طفولتي و ليت أحلامي الصغرى كبرت معي . .

لم أستطع توديع تلك العادة ، في كل صباح أهرع إلى مرآتي

أتذكر مظهري الطفولي وأبكيه كما أبكي ضفائري و شعري الأسود و أبي..

بعد الشهور الثلاثة من زواجي و مئات الصفعات أخبرتني المرآة بتغيير قد اعترى جسدي ..

فرغم شحيح أكلي بدا انتفاخٌ صغير في بطني وفي كل يوم يزداد كبراً ،

ليدغدغني ما بداخله .. سألتها: "حباً بالله يا أمي أخبريني ما سر ذاك الانتفاخ ؟

" لم أسمع إجابتها لأن الزغاريد كادت أن تثقب أذني،

تلتها مباركة الجيران لأمي ثم اتصالها بزوجي كما يحب أن أناديه تطالبه بتحليةٍ كونه سيصبح أباً..

الآن فهمت من غير صفعاته، سأصبح أماً بالمقابل وذاك الانتفاخ هو طفلي ..

يا إله العرش مُدَّني بالصبر، طفلةٌ سوف تنجب طفلاً …

لم أنم يومها من شدة البكاء .. لا أريد توديع طفولتي

ذلك الشيء في بطني أحبه لكنني لست أهلا له اليوم ..

أنا امرأةٌ نعم لكنني لست أماً ..

مرت شهور حملي ثقالاً بسبب ضعف جهازي المناعي و هشاشة رحمي ..

كانت بأحشائي طفلة، أحببتها برغم عدم رؤيتها ،

استغنيت بها عن دفء أمي واستعنت بها على قسوة والدها "زوجي")

أسميتها "رحمة" ...

فقد كانت رحمةً لي و لأيامي، استبدل مرآتي بها أحدثها بكل أخباري ،

وعدتها أن أُلبسها كل أحلامي التي اُنتهكت قبل أن تكتمل ..

سمعتها تخبرني أن لون شعرها أسود كلون شعري القديم فوعدتها بضفيرتين تزين أكتافها التي تلبس ثوباً أزرق جميل

أخبرتها سراً أن عقدي الخرزي مخبأ في تربة منزل والدتي تحت شجرة الليمون وأني سأخرجه لها ما إن تشبَّ و أزين به رقبتها ..

همست لها يوماً بسر أسراري .. "يا رحمة لن أزوجك طفلةً ليربيك أحدهم سأتكفل بتهذيبك رفقاً وعفواً" أحببت الرحمة التي ستحيي روحي الطفلة أصبحت أعد الأيام التي سأسمع بها صوت رحمتي تناديني ب "ماما" ..

اشتقت لها قبل ان أراها ، وبرغم تعبي منها كانت بي رحيمة . في تمام الشهر الثامن من حملي أخذني الحديث مع رحمتي إلى حلمٍ قديم يجعل منها طبيبة تكافح الأمراض كالتي سرقت جدها يوماً ..

أنساني ذكر ألم رحيل والدي وضع الملح في الطعام ،فتسبب ذلك لي بركلةٍ من زوجي تعادل في ألمها كل تلك الصفعات التي ورَّمت روحي ،

رحيل أبي عني صغيرة و بردي الذي طالما عانيت منه وقسوة أمي .. ألمٌ يعادل حبي لرحمة .. شاهدت شلال دمٍ ثم غفوت ..

وللمرة الأولى جائتني رحمةٌ بضفائر سود و فستان أزرق مزركش ترتدي عقدي الخرزي وخاتمي المُتلف وتحمل بيدها لعبتي ساندي. .

قبلتني من جبيني وأمسكت يدي ،اقتربت للحد الذي جعلني انتشي برائحة ياسمينها و قالت"ماما. "

تركت يدي و ذهبت إلى طفلة ربما كنتها يوماً .. أمسَكت يدها و مشت في طريق الغياب .. . . مـاتـت رحـمـة ...

ماتت رحمتي صاحَبتها طفولتي ترعاها .. و تركتني خالية من أي طفولة فابنتي بحاجتها الآن اكثر مني ترشدها في درب الغياب ..

لم يكن ذلك مؤلماً بقدر ما آلمني أني فقدت أمومتي .. ف رحيل رحمة لم يكن بالأمر السهل...

أخذت رحمي الهش معها .. لا باس ياطفلتي.. يا ابنة الطفلة في أمان الله في حفظه وحماه سيكون أحن مني عليك اطمئني..

ما يعزيني بك يا طفلتي يا رحمة أنك لست وحيدة مثلي .. رافقتك أمومتي المُنتظرة وطفولتي المُحتضِرة وروح جدك ..

أما أنا الآن وحيدةٌ بغير رحمة .. حتى زوجي الذي كان من المفترض ان يكون والدك عني رحل ..

قد كنت معه امرأة ودود .. لكنه يطمح بالولود.. و زغاريد جدتك غدت نحيباً وبكاء على حالي ..

امتنانا لسكناك بي يا رحمتي بضع أشهر اكتب لك الآن عن عمر يناهز الأربعين من دار عناية للأطفال أسميته "رحمة"...

أراك في أوجه الأطفال كلها .. فقد تابعت دراستي بعد رحيلك لأنني لم اجد بغيرها عزاءً ..

بروح منكسرة أسَّست داراً للأطفال أضفر شعر البنات وأهديهم الأثواب الزرقاء،

أحيطهم بالدعوات وأقبل جبينهم كل صباح، أغرقهم برائحة الياسمين،

وكما وعدتك ذات نفحة أمل بألا أزوجك وحشاً كزوجي و أن أجعل من أحلامك واقعاً أعدهم ..

كما باللِّين لا بالصفعات أفهمتك ألا تودعي طفولتك بين أطفال حيٍّ يلعبون(الحيز) أفهمت ذلك أطفال دار الرحمة.. من امرأة أربعينية مهزومة من طفولتها وفي رحمها ..

يا رحمتي لروحك الرحمة ..

بقلم: ضحى الناصر العمر- سوريا





comments powered by Disqus