البراعم

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 67 مشاركة
  • العمر 22

لم تمض ساعات حتى أتى الصباح

إنه صباح ثقيل بعض الشيء على تلك الأنامل الصغيرة

التي ما أن يولد فجر جديد حتى تبدأ معه معاناة جديدة

تستيقظ "نغم" التي لم تكمل بعد عامها العاشر على صوت أبيها الأجش

الذي يوقظ كل شيء داخلها إلى عينيها الزرقاوتين

اللتين تحملان معهما هموماً أكبر من حجمهما الملائكي

تنهض نغم مسرعة تتناول لقيمات لا تسمن من جوع ترتدي معطفها الممزق

وتخرج مسرعة بقدمين صغيرتين أصغر حتى من أن تحمل هذا العبء الثقيل

ترتجفان برداً ويزيد ألمهما برك الماء المتناثرة على ذالك الطريق البالي

لا يسلكه فجراً إلا من تجرع ألم هذه الحياة.

لعل ما كانت تفعله نغم في طريقها ضرب من تحدي الحياة بقوة ملائكية

لعل الأغاني الطفولية التي كانت ترنمها لامست السماء لتعلن الانتصار على هذا المجتمع الأحمق.

ولعل تلك الرقصة المرتجفة كانت ولا تزال صورة من صور الأمل الذي يختصر في وجه وردي اللون وعينين أقوى من ألف ألم وابتسامة خجولة

حطمت جدران اليأس وأعلنت انتصار الطفولة المعذبة.

ينتهي الطريق لتصل الفتاة الصغيرة إلى المكان الذي تتحطم فيه أحلامها,

وتتشقق فيه صور مخيلتها الحالمة بمستقبل مشرق

كما تشقق كفاها من برد الشتاء القارس

ومساحيق تلميع النوافذ. تقف عند إشارة المرور منتظرة سيارات المارة,

لتحصل على بعض المال... عله يسكت شيئا من جشع والدها ويقيها من ويلات العقوبة.

كم كان ذاك الصباح بارداً حتى كان يخيل للمارة أن نغم كانت ضرباً من الخيال

كيف لا ولا يعقل أن يقف في هذا البرد القارس إلا معتوه أو مجنون.

تقترب سيارة من نغم لتركض مسرعة بابتسامتها المعتادة وبحماس تبدأ عملها

دون أن تسأل حتى وبعد أن تنتهي تقف جانباً تنظر بعزة نفس وتنتظر مقابل عملها ليفتح النافذة قليلًا وبابتسامة ساخرة...

ينظر رجل إلى تلك الفتاة النحيلة ثم يغلق زجاج النافذة وينطلق مسرعاً

(أي مجتمع هذا!!)

لكن الفتاة الصغيرة ظلت مبتسمة تتأمل تلك السيارة,

وتخاطر نفسها ببراءة قائلة:(لعله رجل مسكين محتاج).

ثم ينتهي يوم آخر من معاناة نغم مع غروب الشمس,

لتعود مسرعة إلى منزلها تقف أمام والدها وتمد يدها الصغيرة المرتجفة حاملة بها بعض ما يسكت غضبه..

يبتسم زاجراً وتدخل نغم غرفتها، لتجلس في زاوية الغرفة

وكأنها تخيل لها والدتها التي توفيت تاركة إياها تصارع هذا المجتمع الموحش

لا تمض بضع دقائق حتى تغط نغم في نوم عميق، ودموعها تجري على وجنتيها، حالمة بوالدتها

بقلم: حسن طياوي- سوريا





comments powered by Disqus