حياة أحادية القلب

الصورة الرمزية فلسطين - قطاع غزة
Osama A. Naim
عضو منذ ١٩ يونيو، ٢٠١٧
  • 3 مشاركة
  • العمر 17

لم تكن زوجتي بالمعنى الحرفي المتعارف عليه في حكم العادة ولكننا كنّا - على ما يبدو - نعيش معا.. نقطن نفس الشقة المتهالكة العادية في وسط البلد... تحتوي جسدينا وغرفتين وصالة وشرفة خارجية تطل على روضة أطفال سجلنا فيها أولى فرحتنا "قدس" وكنا نحاول أن نوطد علاقتنا ببعضنا كشركاء من خلال مراقبتها في الصباح ونحن نشرب القهوة وهي تلعب امامنا في الساحة.

أراها بغير عيوني عندما أعود من عملي وقت المساء...تفتح الباب... تتحاشى أن تلتقي عيوننا... تغمغم لي بأنفاس متضايقة وبنبرة حادة "يعطيك العافية... أجيبها في طريقي إلى غرفة النوم بلا مبالاة "الله يعافيك".... تحضر الأطباق فآكل ... لا أسألها أن تشاركني ولا هي تغامر في طرح الفكرة...

أراقبها وهي تحاول أن تساعد "قدس" في فهم عمليات الحساب... أو في كتابة أحرف الإنجليزية بطريقة صحيحة على السطر. أنتظر دوري في تربية ابنتنا بأن ألعب معها حتى تتعب وتنام...أصلي العشاء بتثاقل... ألمحها تتابع مسلسلاً على التلفاز وعيونها تغدق بالدموع على ما آلت إليه البطلة خلال الأحداث،تنتبه إلى وجودي، تمسح دموعها بطرف كمها وتعطيني وجهاً جليدياً، تسألني إن كنت أحتاج شيئاً، أتمالك نفسي بغيظ وأسألها عن الجوارب البنية الجديدة التي أحضرتها، تقوم من مكانها، تضعها أمامي على السرير ثم تعود إلى المسلسل، نحاذر أن تكون أوقات نومنا متقاربة لكني ألمحها بجانبي في الليل متكورة كعصفور جريح، أستيقظ قبلها إلى صلاة الفجر، أصلي، تقوم بعد أن أنتهي... تتوضأ وتتهجد بالدعاء، نغفو ساعتين قبل أن تستيقظ "قدس"، أعدّ الفطور والقهوة وهي تتكفل بإعداد البنت للدوام، نودّعها كأبوين محبين يغدقان كل حنانهما على هذا الكائن الصغير الذي يعطينا الفرحة ثم تنفضّ قلوبنا بعد أن يختفي أثر قدس في آخر الدرج، تشغل نفسها بغسل الأطباق المتسخة والتنظيف حتى نتجاوز هذه اللحظات المريبة من وجودنا معاً في نفس الزمان والمكان، نحاول أن تكون بيننا مسافة كافية تزيل غرابة الشعور حتى يأتي وقت ذهابي إلى العمل فتنتهي اللحظة المريبة، وتتكرر الأحداث.

أمام الناس نحن الزوج المثاليّ الطبيعي المسالم الذين وهبهم الله مكافأة لهم طفلة كفاكهة الجنة يتمناها كل المشتهين، لكن أمام أنفسنا لم نكن لا زوجاً ولا شيئاً جمعياً - أكثر من واحد - يمكن الإشارة إليه بعلامة المثنى أو خلافها من علامات الجمع، كنا تقريباً شركاء، عمل، أو مصلحة، أو شيئاً نحن متفقين عليه ضمنياً دون أن نوقع أوراقاً تثبت ذلك.

نحن من أولئك الناس الذين يكتشفون بعد خمس أو ست سنوات من المسرحية التمثيلية التي يسمونها الزواج أن هذا ليس الواقع الذي كانوا يحلمون به، فجأة يبدو أن نقاط الخلاف بيننا تتجاوز نقاط الإتفاق التي كنا ندّعي أنها موجودة، فقط حتى نحافظ على بعضنا من أن نصل إلى هذه المرحلة من الجفاء، كذب الخطوبة والسنوات الأولى، ضغط العائلة، كلام الناس، كله أكّد لنا أننا لم نكن لنصلح لبعضنا من الأساس، في إحدى الليالي فتحت عيوني متثاقلاً فوجدت وجهها وعيونها التي تطفو بالدموع على المخدة بجانبي، تنظر إليّ بانكسار، "أرجوك، طلقني"، تظاهرت أنني لم أسمعها وأدرت ظهري لها محاولاً أن لا ترى الدموع المحلّقة في عيوني، نمنا تلك الليلة ووجدتها مشرقة في الصباح، أعدت كل شئ وأحضرت لي قمصاني المكوية وتناقشنا في حديث كامل أن اللون الأزرق يليق أكثر من الأبيض عليّ، وبِتُّ أقنع نفسي بأنني ما زلت أمثل شيئاً مهماً في حياتها، مهما زاد الجفاء.

أعجزتني حنفية الحمام وأنا أحاول إصلاحها، في لحظة غضب هممت بالمفتاح عليها وانتبهت لاحقاً أن الدماء تقطر من يدي، جاءت مسرعة، نظفت الجرح بمهارة أعتى الجراحين، ثم وضعت القطن وأحكمت ربط الشاش وسألتني لو أخذت الأمور ببساطة أكثر، لهفتها وهي منكبة على يدّي ورائحة شعرها تغزو جسدي وضعفها وصوتها الحنون وهي أقرب مني مما تكون عادة، كانت لتجعلني أتنازل فجأة واحتضنها راجياً لو سامحتني، ولكنها انسلت وهربت وكأنه لا يهون عليها أن تراني بهذه الحالة.

لحظات الألم لا يمكنني أن أتجاوزها، ليس ألمي الشخصي، ولكن الألم الذي يصيب شخصاً لا تتخيل حياتك بدونه موجع، إيه والله موجع، "قدس" في المطبخ تغني وتلعب، أراها تقترب من مقلاة الزيت وأمها بجوارها، أرتب في ذهني تصوراً مخيفاً من الممكن أن يحدث، البنت ترفع يدها الصغيرة باتجاه يد المقلاة، أصرخ "عائشة!!!! اللللببنت!!!!!! الحقي البنت!!!"، أحاول أن أوقف الزمن وأنا أهرع من مكاني لأنقذ أغلى ممتلكاتي من الحياة ... تنتبه عائشة فتدفع البنت على امتداد يدها ولكنها تعجز أن تفك الأصابع الصغيرة عن مقلاة الزيت فتتطاير الحمم الحمراء وتسقط على وجنتيها أراها تهوي على ظهرها أمامي عاجزاً عن التقاطها.

أصرخ كالمجنون محاولاً إزالة الزيت عن جسدها الطريّ، أبعد قطع الملابس المحترقة عن بطنها وهي تصرخ بصوت مكلوم وتنظر إليّ وكأنها ستموت، أغطيها وأحملها على يدي وانتبه أن الجيران يدقون الباب ليعرفوا سر الصرخات، آمرهم بعصبية بأن ينتبهوا للبنت وأحملُ روحي المعذّبة -زوجتي - بين يدي وأنا أهبط الدرج وأعصابي غير قادرة على الإحتمال، أصل إلى المستشفى بكيفية لا أعرفها، أضعها على سرير المشفى ويداي ترجف بقشعريرة القاتل المتخم من دماء ضحيته.

وجدت نفسي على الأرض، ووجدت أمّي والطبيب يخبرونني أن حالتها ليست بالخطيرة، حروق متفرقة من الدرجة الثالثة، الله لطف، كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر صعوبة، تدريجياً بدأت استعيد وعيي، تذكرتُ كل لحظة حًبٍّ جمعتنا، كل خلاف ومشكلة بكت فيه بسببي، الأوقات الصعبة التي خضناها معاً، وبكيتُ كطفلٍ صغير.

حينما سمحوا لي أن أراها كانت نائمة، بدت كالملاك، مرت فترة طويلة جداً على آخر مرة تأمّلت فيها ملامحها، فتاتي الصغيرة المدللة التي أحببت ذقنها المفروقة وحواجبها الناعمة، أين كنت غائبة عني؟ عندما فتحت عيونها انهلتُ على يديها أقبلهما وعندما فرغت وجدت دموعها في عيونها ممتلئة بالفرحة والرضا، سألتني عن حال البنت، أخبرتها وأنا لازلت ممسكاً بيديها أنها بخير وترجو أن تكون أمها وحبيبة أبوها بخيرٍ أيضاً، تعقد حاجبيها الجميلين بدلال وتسأل :

- عفواً من هي حبيبة أبوها؟ أبوها مصاحب ام ماذا

لا لقد غفل عني القول أمها وحبيبة أبوها....الاثنتين... نائمتان على هذا السرير لأن أساسا أباها جبان ويخاف أن يشيح النظر... لا يستطيع.

تعطيني ضحكة أصفى من ماء الخلجان، ثم تختفي ابتسامتها فجأة وتخبرني :

- سمعت الطبيب يقول أن حروق معدتي وذراعي اليسار ستسبب أثرا ولن تزول

أراها وهي تنهي الجملة متنهّدة والدموع تتجمع في عيونها مرة أخرى... أطبطب عليها وأجيب :

لا يهم .. ألست أنا ذراعك اليمنى...حسناً حتى وإن بقي الأثر فما يضير حرق الشمس ؟؟

من وقتها أظنّ التصقت روحينا الغبيتين تماما كان ثمرة حُبنا هذه المرة "زيد"، وقد أتى المشاكس وبيتنا هادئ، وكبرت وهم جميعاً بين يداي... احتضنها كلما سنحت لي الفرصة وأخبرها أنها نعمة الله لي التي غفلتُ عنها فنسيتُ شكرها وهي تخبرني أنها لم تكف يوماً عن حُبّي وتنظرُ إليّ بامتنان..اتفقنا على أن الحُبّ بالذات هو العلاقة الوحيدة التي إما يخسر فيها الطرفان أو يربح فيها الطرفان، لا يربح طرفٌ ويخسر الآخر.. أظن أننا فضلنا أن يربح كلاً منا الآخر على أن يذوق مرارة الخسارة واحدٌ منا فيكون بذلك الآخر بالنسبة إلى الآخر. بغض النظر عن أنها صارت تشجع فريق برشلونة الآن وترى أن ميسي هو الأفضل في العالم... لكن ذلك ليس مهماً.. فلتغظني في كل مباراة يفوزون فيها على ريال مدريد... أظن أنني أستطيع الإحتمال.

*تمّت*






comments powered by Disqus