مولعة بجماد بلا روح

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 84 مشاركة
  • العمر 22

هرولت صديقتي حنين إلى باب بيتها لتستلم هدية أرسلت إليها من أخيها المهاجر .. فكان جوالاً هو الأحدث من نوعه ..

حملته بحذر كبير، تفحصته بدقة بالغة، وقد طغت عليها علامات الفرح، وكان أولُ أمرٍ أصدرته ألا يحمل جوالها أحدٌ من أولاده العابثين وإلا وانهالت عليه بالضرب المبرح.

بعد عدة أيام مضت رأيتها فبادرت بالسؤال مطمئنة على سلامة الزائر الجديد، فمدّ ابنها أمجد رأسه أمام وجهي وقال لي: " ليت أمي تعتني بي كما تعتني بجوالها يا خالة"، ثم همس لي:"سأعطله ذات يوم"، و لأني أقدس براءته سقطت كلماته في عمق قلبي وأحدثت جرحاً فيه، و كانت شرارة لأفكار كثيرة تزاحمت في رأسي فقررت إمضاء اليوم عندها.

وجدت أن الجهاز الأصم قد أشعل لهيب الغيرة في قلب طفل شديد الاحتياج لأمه، فهو يعتقد أنه الأحق باحتواء يديها له، و قلبه أولى بلمساتها اللطيفة من ذاك الجهاز الكئيب.

بينما ترهق صديقتي عينيها بالنظر إلى جهازها تذبلُ عينان جميلتان،عينا صغيرها و هو يراقبها على هذه الحال.

فتح هذا الجهاز باب جهنم على حياة أمجد بل على حياة العائلة كلها، فها هي أم أمجد تبارك لأحدى صديقاتها نجاح ولدها بالتفوق .. أما أمجد فيجلس في زاوية غرفته معذباً يصارع الكسل.

يجوز لأمجد وأخوته أن يكسر شيئاً من قواعد الأدب والتربية، أما شاشة الجوال المقدس فيحرم مسها.

تجلس مطأطأة الرأس وقد ارتسمت على وجهها ضحكة بلهاء وتكاد أصابعها تتشابك من سرعة الكتابة .. أما أمجد اللطيف فيجلس وقد غشت البلادة وجهه ينظر إلى أمه تارة، وإلى جهازها تارة أخرى يرتجي منها كلمة طيبة أو ضمة حانية حتى كدت أن انسى أنا وجودي بجوارها وما زالت الأفكار تتزاحم في فكري. فقلت في نفسي؛ أي قبحٍ نحيا به كأننا خشب مسندة أصبحنا أجساداً بلا أرواح تجلس الأجساد متقاربة أما العقول والقلوب فالله أدرى بها ..

تعلّقت القلوب بجمادات ميتة، و تنافرت الأرواح، أهملنا أبناءنا حتى فسدوا و قتلنا أجمل اللحظات بعزلتنا البغيضة مع جوالاتنا..

خسرنا أعز الأشخاص ببخلنا عليهم من رقة قلوبنا.

نشتري بأموالنا فساد الأبناء، وإهمال الأمهات ، وانطواء الآباء.

و إني لأستغرب من قدرة أجهزة صغيرة على تحطيم أكبر العلاقات الإنسانية و أمتنها كالعلاقة بين الأم وابنها والعلاقة بين الزوجين والعلاقة بين الجيران.

في الختام، تمثل "سمر" الإهمال موجود في كل بيت، ويمثل "أمجد" المعاناة الموجودة في كل بيت أيضاً ولا مبالغة في ذلك.

كما أرى و كلنا يدرك أننا نعيش في دوامة من المشاكل بسبب هذه الأجهزة كما علينا ألا ننسى أنها تبقى أجهزة أما القيمة فنحن من نمنحها إياها، فليعمل كل واحد فينا عقله وليبصر بقلبه واقعه ثم يسعى لإصلاحه.

بقلم: بيان ظباطح





comments powered by Disqus