ملائكةٌ تُسقى بماءِ القسوة

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 88 مشاركة
  • العمر 22

إن من عظيم الأمرِ أن يقرّرَ الإنسانُ إنجابَ طفلٍ ليكونُ بمثابةِ جزءً من القلبِ يحوم حولَ أبيه.. والأعظمُ هو سقايةُ هذه النبتةِ الصغيرة بماءِ الحياةِ الكريمةِ والحفاظُ عليها حتى تكبر وتصبحَ نديّة.

أنا ممن يهتمون بتفاصيلِ الأطفالِ جداً ويحبّون العملَ معهم كأستاذٍ أو داعمٍ نفسيٍ، ولحسنِ حظي كنتِ ممن شاركَ بحملةٍ تحثُ الأطفال المتسربين من المدرسة للعودة إلى مقاعدهم الدراسية تحت شعار " المدرسة اشتاقتلك "

الساعة العاشرةُ صباحاً، بحثاً عن أحد المتسربين من المدرسة، دخلت محلاً لتصليح الأدوات الكهربائية، طفلٌ وحيدٌ يجلس على كرسيٍ في أقصى المحل، وجهٌ ملائكيٌ؛ عينان سوداويتان بريئتان وددت العيشَ داخلهما حياةً لشدةِ جمالهما، ثيابٌ ممزقةٌ تحكي قصةً معاناة.. بلهفةٍ يُقدِمُ الطفل نحوي ويسأل كعادته أي إنسانٍ يدخل المحل " تفضل يا عم.. كيف أستطيع ان أخدمك ؟"

أيقنت لوهلةٍ أنه لم يدرك ما كتبَ على قميصي من عباراتٍ عن محاربة التسرب المدرسي.. أعيش الدورَ معه واسأله عن معلمه فيجيب أنه سيتأخرُ قليلاً اليوم لمهمة خارجية لديه.. اطلب منه الجلوس لانتظارهِ فيوافق بابتسامة وبحبٍ كبيرٍ وأسلوبٍ يحبهُ الأطفال أبدأ بالتعرفِ عليه..

سيف طفلٌ يبلغ من العمرِ اثني عشرَ عاماً.. ترك المدرسةَ منذ سنةٍ بطلبٍ من والده الذي أجبره على العمل بحجةِ أن المهنةَ تجلبُ من المالِ مالا يجلبه العمل.. اسأله عن أحلامه فيسكتُ برهةً ثم يجيب أنه يريد ترك العمل والرجوع إلى لمدرسة ليصبحَ أستاذاً ثم يفاجئني قائلاً: " أأخبركً سراً؟! "

يحكي أنه يراقب كل صباحٍ أطفالَ الحي وهم يذهبون لمدارسهم ويبكي خلسة عن أعين الناسِ لشدة اشتياقه لدفاتره وأقلامه من جهة ولشدة ما يلقاه من معلمه من ضغطٍ في العمل وتوبيخٍ شديدٍ عند أي هفوةٍ صغيرةٍ من جهةٍ أخرى.. " أنا سأساعدك يا سيف وسأتحدث مع والدك لتترك عملك وتعود لمدرستك "

يمسكُ الطفل بيدي ويبكي متوسلاً " أرجوك لا تخبر أبي عن الكلامِ الذي حدثتك به لأنه سيوسعني ضرباً "

مسحت دموعه وأشعرته بالطمأنينة ألا يخاف وأنه بأمانٍ من أي ضرب.

تتركُ ظاهرةُ عمالة الأطفال أثراً كبيراً نفسياً كان أو جسدياً على الأطفال وتبعدهم عن أحلامهم وطموحاتهم في هذه الحياة، وتضعهم تحت قسوةِ العملِ المبكّر ومرارةِ الجهل والأميّة في كثيرٍ من مجالات الحياة..

الأطفال صفحةٌ بيضاءُ في كتابِ الحياة، ورسالةٌ عظيمةٌ يجب على الآباء الوعيُ بها والحفاظُ عليها لبناءِ مجتمعٍ مزدهرٍ بعيدٍ عن الجهل والتخلف.. الأطفال أمانةٌ بين أيدينا.. أرجوكم حافظوا عليها


بقلم: خالد الحكواتي





comments powered by Disqus