دروس الحياة العشر

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 106 مشاركة
  • العمر 23

على منصة ارتفعت عن الواقع بحلم محقق.. وبين نظرات الفخر والأكف التي تعانقت بالتصفيق.. انهالت على أمواج من لحظات العمر المفصلية.. لتقتحم ذاكرتي تلك الطفلة بضفائرها الكستنائية وهي تقف أمام معلمتها حاملة مجلتها الحائطية الصغيرة والتي أشبعتها رسما وتلوينا وكتابة.. أخبرتها المعلمة حينها أنها ستصبح يوماً كاتبة ورسامة.. ارتسمت على وجهها ابتسامة طفلة جُل أحلامها تلك "المرحى" التي ستتلقاها إن هي حصلت على "عشرة " في الإملاء.

كان صوت التصفيق يعلو.. غادرتني تلك الطفلة وراح يمر أمامي ربع قرن من دروس الحياة

لعلي لا أنسى حين تزامن وصولي لقارعة الأحلام مع وصول الحرب إلى بلادنا.. لتتقدم "تلك المشؤومة" على بخطوة وتسرق مني حلما وعام.

قررت حينها أن ألون إقامتي الجبرية وأسير في مشوار الألف ميل نحو احتراف الرسم وألقن الحياة درسي الأول بأني "سأصنع من عتمة الأيام جديلة وأرميها خلف ظهري"

ترجّلتُ عن المنصة وأنا استذكر تلك الفرص التي لا ترقى لشبر من قامة أحلامي والتي وضعتني أمام "الرضا بشيء أو اللا شيء" ليكون هذا درسي القاسي الثاني.

كان الشيء الذي رضيت به هو دراسة اللغة العربية.. ولربما دفعتني فطرة التميز التي فطرنا الله عليها إلى التفوق لأعطي الحياة درسي الثالث وهو" أينما زرعك الله أزهر".. تخرجت بمعدل عال لتفاجئني فرصة تدريس سريعة.. وقفت على بعد خوف من الفشل عنها لتعلمني درسي الرابع أن "ثقي بقدراتك"

استفقت على أضواء الكاميرات ليلتفت القلب لإحدى طالباتي وهي تلوح لي من بين الحشود وتعيد في نفسي رهبة اللحظة الأولى أمامهن في صف اكتظ بشابات لا يفصلني عن الجلوس بينهن سوى بضع سنوات وأربعة دروس في الحياة وإجازة في اللغة العربية. تعلمت منهن حينها درسي الخامس بأن "لكل إنسان منا رسالة عليه أن يؤديها بمسؤولية ". كنت أعود في كل يوم بآثار الطبشور وأوراق الاختبارات ونظرات الرضا من الطالبات.. لأجد نفسي وقد شغفني التدريس حباً .. وهنا أتاحت لي الحياة فرصة استكمال تحصيلي العلمي لأقع في جحيم الاختيار بين الشغف والمستقبل وأتلقى من الأيام صفعة كانت بمثابة الدرس السادس "بألا أضع سقفا لأهدافي"..

تركت التعليم وعدت إلى مقاعد الدراسة لأتلقى من الدروس الكثير كان "الصبر" سابعها و"إدراك أن في العلم لذة لو فطن لها الملوك لحاربونا عليها" ثامنها..

أعادني للواقع مكبر صوت وضع أمامي مع سيل من الأسئلة حول هذه التجربة.. نظرت إلى مكبر الصوت الذي نقلني إلى تلك الغرفة الصغيرة والتي جعلت من صوتي فيها عيونا لمن حرموا نعمة البصر ورحت أسجل الكتب صوتيا لهم.. لأتعلم من هذه الغرفة درسي التاسع بأن "قيمة الإنسان تكمن فيما يعطي لا فيما يأخذ"

سمعته يقول "هلا تحدثينا عن تجربتك في التدوين؟" ابتسمت حينما أعاد لي هذا السؤال تلك الطفلة بضفائرها الكستنائية والتي قالت لها المعلمة ستصبحين يوما كاتبة.. لم تدرك تلك الطفلة يومها أنها وتحت مسمى القدر الجميل ستبصر مواهبها الصغيرة النور وتنتشر كتاباتها على موقع عالمي.. أو أنها ستقف في هذا اليوم أمام الحشد على منصة تغمرها نظرات الفخر وحرارة التصفيق.. أو أنها ستخبر المذيع في لحظة من السعادة السرمدية درسها العاشر، قائلة:" لا شيء مستحيل.. لنحلم ولتبصر أحلامنا النور مهما طال سواد الليل"

بقلم: سلام الأحدب




comments powered by Disqus