الجوع في ذاكرتي

دون صورة Voices of MENA أصوات من منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا
عضو منذ ٢٨ مارس، ٢٠١٧
  • 21 مشاركة
  • العمر 26

لعله الصف الثالث ربما..

وعندما تكون تلميذاً.. وزميلك الوحيد هو الفقر..

صدقني ستتعب كثيراً..

أيضاً إن كانت عائلتك فقيرة..

فقد تحظى بوجبة الغداء..

ولن تنال العشاء أبداً..

وسوف تنام وأكبر أحلامك على هذه الأرض

هي بعض اللُقيمات من اي شيء قد يُؤكل..

وبالفعل تنام.. ولكن لبعض الوقت فقط..

ويُجبرك الجوع على أن تستيقظ ليلاً..

ستبكي كثيرا في بداية الأمر.. وصدقني ستبكي لأيام طويلة..

وسوف تستيقظ والدتك..

وقد يستيقظ إخوتك أيضاً.. في كثيرٍ من الأيام.. بسبب بكائك

وسيسألونك هل أنت مريض؟

وستهز رأسك بالنفي وبأنك لست كذلك..

- يوسف، هل هنالك ما يُؤلمك؟

أقوم بهز رأسي بالنفي مجدداً..

-يوسف، ما بك؟

في تلك اللحظة أنت تَودّ إخبارهم بأنك جائع..

بأنّ الجوع يقوم بطهي معدتك من الداخل وأنه يقوم بأكلك لأنك لم تأكل..

سوف تحاول أن تقول لهم بأنك تتضور جوعاً.. ولكن هنالك ما يمنعك عن كشف ما بك..

سيوّجهون لك جميع الأسئلة..

ولكن لا أحد منهم سيسألك هل أنت جائع..

فإن فعل فسوف يقوم بمساعدتك على الإفصاح عما بك.. وستُشير برأسك أنك فعلاً كذلك.. إن تم طرح السؤال عليك..

أقول في نفسي: "اسألوني هل أنت جائع؟"

ولكن لا أحد يفعل..

كل واحد منهم يحاول معك لبعض الوقت..

وأنت تصرخ من داخلك..

أنا جاااااااااائع.. انا جاااااائع

ولكنهم لا يسمعون..

أجبر نفسي على إيقاف الدموع..

وإيقاف النحيب أيضاً..

لكي ينفروا عني.. وفعلاً يفعلون..

أسحب الغطاء على نفسي وأخبرهم بإطفاء الأضواء..

وأقوم بالانكماش على نفسي..

وأبدأ في البكاء من العمق.. وبلا صوت..

ذلك البكاء الذي يحرقك لأنك لا تستطيع إطلاق سراحه.. وصدّقني؛ كتم البكاء أشد ألماً من الجوع..

تستمر كذلك لبعض الوقت.. وتنام مجدداً..

تستيقظ في الصباح.. وأنت مشبع بالنوم..

تسمع جَلَبة في المطبخ..

تدعوا الله أنّ هنالك وجبة فطور..

تهاجم والدتك في المطبخ..

وهي تُراقص الصحون.. وتقوم بغسلها.. رغم أنّها نظيفة..

تسألها ما الذي تفعلينه يا أمي..

فتخبرك أنها تستعد لتجهيز الفطور..

وبانها تنتظر والدي ان يعود وقد أحضر شيء معه لكي تقوم بطهيه..

وتخبرني أنه إن تأخر فسوف نتناول الغداء..

ولا داعي للفطور..

وتسألني إن كنتُ جائعاً، وأخبرها أنني كذلك.. فتخبرني أنّ عليّ الانتظار.. وسوف نأكل إن شاء الله..

أقول في نفسي: "أنا أعلم جيداً أنّ والدي قد يتأخر حتى العاشرة أو الحادية عشر.."

لكنّي أُمَنّي نفسي بكلام والدتي..

ولطالما كانت هذه الحيلة تنطلي عليّ..

وتحمل في طيّاتها الكثير من الأمل..

أترك والدتي وأذهب لغسل وجهي في الحمّام..

وأعود للمطبخ لكي أشرب.. قبل خروجي الى الشارع..

أجدُ والدتي تبكي..

أُراقبها بصمت.. وهي تمسك بذلك الإناء.. وهي فقط تقوم بتدوير تلك الإسفنجة بداخله..

ظلّت تفعل ذلك لدقائق..

اسألها : "أمي، ما بك تبكي؟"

- لا شيء يا ولدي، لقد تذكرت أبي رحمه الله..

كانت تخدعني بهذه الجملة لسنوات..

وبأنّها تبكي على والدها الذي توفي وهي مازالت طفلة..

لم أكن أعي أنّها تبكي لشيء آخر..

وبأنّها تعلم أنني جائع..

وليس بيدها أن تفعل أي شيء..

ولعلّها تُدرِك أنني كنت جائعاً ليلة البارحة..

لكنّها خافت من توريط نفسها بسؤالي إن كنتُ كذلك أم لا.. لكونها تعلم أنّ ليس هنالك ما يؤكل..

أَترُكها في المطبخ وأنا أدعو بالرحمة لجدّي الذي لا أعرفه..

وهي هناك تُمارس خدعة الصحن النظيف..

وقلبها يلهج بالدعاء.. أن يُطْعِم الله أبنائها..

ودمعها هو الصابون الوحيد لذلك الصحن..

أخرُج إلى الشارع.. أقوم بأخذ أحد الاعواد الجافة..

واكتب على الرمل.. ولا اعلم ماذا كنت اكتب.. لعل أحاديثي مع نفسي هي أكثر من كتاباتي في تلك اللحظات. ولم أكن اكتب وإنما أُخَربِش..

تَستعِر الشمس ووالدي لم يأتي بعد..

وأُصبح أنا متيقناً.. أنّ لا مجال للحصول على وجبة فطور..

يأتي والدي في الوقت الضائع بعد أن قام بالكدّ وجمع بعض المال وشراء بعضاً من الدقيق والسكر.. وعلبة من الفول ربما..

ولا مجال لي لانتظار وجبة الغداء..

فموعد المدرسة قد حان..

أجمَع دفاتري في أحد الأكياس..

وأُخبِر والدي أنني أحتاج إلى قلم رصاص..

يُدخِل يده في جيبه للبحث عن فكّة..

ويعطني ثمن ذلك القلم.. إن وُجد..

أقوم بشراء القلم.. وأتجِه للمدرسة..

بعد أن جَمعتُ نصف تراب المدينة على جسدي.. وعلى ملابسي..

تَمُر الحصّة الأولى.. وأنا أتخيل كيف سيكون مذاق الفول في فمي عندما أعود..

تمر الثانية.. وشهيتي تكبر أكثر..

تمر الحصة الثالثة أيضاً..

وشهيّتي وجوعي أصبحا في عناق عظيم.. وكلاهما يقفان ضدي..

أتوجّه إلى فناء المدرسة.. أثناء فترة الاستراحة..

أواجه الكثير من الساندويتشات..

في أيادي الطّلاب.. فيُرهقني الجوع أكثر..

أجلِس في أحد الأماكن..

وأعود للخربشة على التراب..

أرسُم قطعة من اللحم.. وأرسُم حولها دائرة على أنها صحن من الأرُز..

أرسُم التّفاح.. أرسُم مشروباً غازياً.. والكثير من الأشياء..

ولكنّ الرّاحة تنتهي قبل أن أبدأ في تناول الخيال..

أعود إلى الصّف أقوم ببري القلم الرصاص مجدداً استعداداً للحصة الرابعة..

ويدخل أحد الطلاب ومازال في يده بعض الساندويتش والعصير..

هو يأكل وأنا أقوم بحشر القلم في المِبراة.. فتأكل هي قلمي. وأنا لا أدري..

أضغط على القلم بقوّة.. وأقوم بتدويره دونما شعور.. وأنظر إلى فتات ذلك الرغيف..

التي تتساقط ولا أحد يشاهدها غيري..

فلا يعرف الفتات إلّْا من صاحب الجوع..

ينتهي من الأكل.. ويشرب ما تَبقّى من العصير أيضاً.. وقلمي قد أصبح في المنتصف..

والمِبراة تشكرني لأنّها قد أكلَتْ نصيبها وزيادة..

ينتهي دوام المدرسة.. وأعود للمنزل..

بعد خوض معركة العِلم..

وحفظ درس في الاجتماعيات الزائفة..

أهجُم على المطبخ برفقة والدتي المتبسمة..

تجلس بجواري عندما آكل..

وتقوم بتمرير يدها من خلال شعري..

وهي تحدثني عن ماذا تعلّمْت..

وتطالبني أن أُكثِر من الأكل أيضاً..

بعد انتهائي تسألني إن كنت قد شبعت..

وأُجيبها بنعم.. فتطلب منّي أن أحمد الله.. وأن أشكُرَه على ما رزقنا..

ها أنا اليوم قد كبرت..

وتغيّر حالنا للأفضل بفضل الله عُقب سفر أبي إلى الخارج..

وصحيح أنه قد تُوفي قبل سنوات، رحمة الله عليه..

والحمد لله على كل حال..

وأنني أصبحت آكل عندما أُريد..

لكنّ عقلي لا يَشبع..

ولأنّ الجوع في ذاكرتي..

فأنا أذهب إلى مَن في المطبخ كُل يوم عُقب تناولهم للعشاء.. وأخبرهم أن يجمعوا الجزء النظيف من الأكل.... وأجعلهم يقوموا بتسخين ما تبقّى من وجبة الغداء أيضاً.. ويصنعون ذلك بأنفسهم أحياناً دونما تذكير..

وأطلب من شقيقي الأصغر أن يقوم بإرساله

إلى مَن هُم جِياع في الحي..

نعم، لا أريد أن ينام أحد وهو جائع..

أو أَن تُمارس أُم خُدعة الصّحن النظيف.. لخداع طفل جائع..

أرجوكم تفقّدوا جيرانكم..

وتَصدَّق مِن مالِك على هذا وذاك..

أرجوك أن تفعل ذلك..

فالجوع يبقى في الذاكرة لا في الأحشاء..

وسوف تجمع فُتات الأكل وأنت تبكي إن أكرمَك الله.. تماماً كما حدث معي اليوم..

كنتُ أجمع الفتات من الأرض احتراماً وشكراً للنعمة وتذكّرتُ تلك الأيام فبكيت.. وكانت والدتي متواجدة.. وسألتني ما بك وما الذي أبكاك؟

فلم أعلم بما أُجيبها..

فقلت لها لا شيء.. تذكّرتُ والدي يَرحمه الله..

بقلم: يوسف نمار- اليمن




comments powered by Disqus