بعضُ اهتمامٍ.. عقلٌ مذهل

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 106 مشاركة
  • العمر 23

يستطيعُ حامل هذا الشيء إن وُجِّهَ بشكلٍ صحيح أن يغزو العالم بذكائه، من الممكن أن يكون مختلف عن الانسان الطبيعي بعض الشيء، إلا أنه بقليلٍ من اهتمام سيذهلك بما يستطيع أن يفعل.!

أشار لي الطبيب بالجلوس أمامه، بعد نظرةٍ طويلة وعميقة في الفراغ، بادرَ بالنظر في عينيّ وأخبرني التالي:

ابنكِ يا سيدتي يعاني من اضطرابِ التوحد ولكن لا تخافي فهذا النوع لحسن الحظ الأخف بين باقي أنواعه، وما يجعلنا ننظر إيجابياً هو عمر ابنكِ الصغير وهذا ما يسرّع إن شاء الله من نسبة تحسين أدائه تقريباً، وإني يا سيدتي أشكركِ على اهتمامكِ وملاحظتكِ لتصرفات طفلكِ الغريبة.

نظرتُ إليهِ بتوجُس، ممسكة بيد طفلي الصغير "عروة" بشده والنار في صدري تشتعل، لم أصدق لوهلة ما يجري حولي، حتى بأنني شعرتُ أنّ ما يحدث محضُ حلمٍ سأصحو منه بعد قليل أخرجني صوت الطبيب المنبّه لي:

أأنتِ بخير ؟

أجبته بأني على ما يرام

نصحني بعدّة واجبات عليّ فعلها ووعدته بأني سأفعل ما بوسعي من أجل ابني، أمسكتُ بحقيبتي ونهضتُ متصنعةً البسمة شاكرةً للطبيب مودعةً له..

عندما عدتُ إلى المنزل بِتُّ شديدة التفحص لحركات عروة، بماذا يحبّ أن يلعبَ يا تُرى؟

فبحسب كلام الطبيب بأن طفلي سيحب أن يكرر نمطاً معيناً من الفن، مثل الموسيقى أو الرسم أو حتى تطبيق المكعبات..

وبأنه عليّ اكتشاف ما يحب لأساعده على تنمية مهارته بهذا الفن الذي يرغب .

حينما لاحظتُ على عروة من قبل ميله الشديد للانزواء وحيداً، خاصة عندما أجتمع به مع أطفال الأقارب، يتجه مسرعاً لزاويةٍ ما ويدورُ حول نفسه مراراً وتكراراً بدون أن يشعر بالدوران!

وهذا ما استغربته فقد قال لي الطبيب عن هذا الأمر أنه حركة نمطية يفعلها المصاب بالتوحد بدون سبب، وأنّ هناك حركات نمطية أخرى ولكن صغيري يفعل فقط هذه الحركة، فلا ينظر أبداً في عينيّ ولا يستجيب أبداً لأوامري..

لطالما صرختُ في وجهه ووبخته أمام الملأ حينما أجده يتجاهلني..

إذاً طفلي فقط يحتاج مني لبعض العناية.!

بِتُّ أجلس معه معظم الوقت واسترق النظر إليه حينما يكون وحيداً..

أغلب النشاطات التي كنا نفعلها معاً هي الخروج للتنزه ومراجعة الطبيب ليجري بعض الفحوصات ويرى تطور حالة عروة..

في إحدى الأيام كنا نسير باتجاه الحديقة كما العادة، فاجئني تركُ عروة ليدي والركض باتجاه دكان للألعاب، وقفَ عروة أمام الواجهة الزجاجية للمحل يتأمل إحدى الألعاب، تبِعتهُ وسألته عن السبب الذي يجعله واقفاً هكذا، فأشار لي بإصبعه الصغير على أحد الألعاب الماكثة على الرف، وهي مكعب صغير ملوّن، شدّني صغيري من معطفي لكي أدخل المحل..

دخلنا معاً وابتعتُ له مكعب الروبيك بحسب ما وضّح لي البائع..

الانجذاب لفكّ شيفرة هذا المكعب بدأت تزداد أكثر وأكثر على تصرفاته وتجذب انتباهه.

احتجتُ أنا بعض الوقت لأتعلم كيفية حلّها، بحثتُ مطولاً على الانترنت، فأنا لا أعلم ما هيّة هذا المكعب.!

بعد أسبوعٍ كامل من البحث، وصلتُ أخيراً للحل عرضتُ على عروة المكعب، لم يتحرك طفلي، بل وتفاجأت من ردة فعله حينما سحب من يدي اللعبة بغضب، وأعاد تخريبها من جديد!

وخلال خمس دقائق فقط استطاع أن يُعيد تركيبها كما كانت بالشكل السابق بشكل مُذهل..

كان من المدهش حقاً أن أراه ينجز هذا العمل الذي احتجتُ أنا لحلّه أسبوعاً كاملاً.!

عرفتُ وقتها بأن عروة بحسب ما قال لي الطبيب في آخر مراجعةٍ له، بعد أن أخبرته ما جرى، بأن طفلي سيدخل المدرسة هذا العام، وسيكون مبدعاً بمادة الرياضيات ..!

أطفالنا أمانةٌ في أعناقنا، فسارع أو سارعي في اللحاق بطفلكم، فمن الممكن أن يكون هناك حلٌ دائماً إن لم تتأخروا. مريض التوحد هو شخص خارق في الذكاء، هو مبدع بشيء ما، قد يكون مولعاً بالرسم أو الموسيقى أو الرياضيات .. إنه فقط يحتاج عناية خاصة لكي يخطو إلى إبداعه بكل مهارة.


بقلم: لمى منصور





comments powered by Disqus