إنسانة قبل أنثى

no picture Paramedic at Syrian Arab Red Crescent
Hend Se
Inscrit le 13 octobre 2018
  • 1 Article

أحاول في المقال الذي أكتبه أن أترجم كل ما تشعر به مريضة سرطان أُجبرت على استئصال الثدي ، مع ترك رسالة تحمل الأمل  في الخاتمة لكل محاربة ضدّ هذه اللّعنة .

أحاول في المقال الذي أكتبه أن أترجم كل ما تشعر به مريضة سرطان أُجبرت على استئصال الثدي ، مع ترك رسالة تحمل الأمل في الخاتمة لكل محاربة ضدّ هذه اللّعنة .

كم بقيَ من الوقت؟ لا جوابَ لديّ لكنّي أعدكِ أنّ فرصتكِ بالنجاة ستتجاوز الخمسين بالمائة في حال موافقتكِ على استئصال الثدي بشكل كامل.. كان عليّ أن أختار يومها بين أيامٍ معدودات أعيشها كأنثى متكاملة تجنبت ألم النجاة ببقاياها، أو أن أضحّي بقالبي الأنثوي لأجل حقّي البشريّ بالحياة ...

فكانت غريزة البقاء و حبّ العيش أقوى من غريزتي في التزيّن و الحب الفطري للجمال ..

ها أنا ذا أقف أمام المرآة بعد أن خضت معركة مع السّرطان، حاربتُ السمّ بالسّمّ ثمّ استأصلتُ موطنه فكانت النتيجة أنثى صلعاء هزيلة دون وزنٍ زائد أو رونق مكتسب.. ودون أثداءٍ أيضاً!

أتعرف عليّ من جديد ..على ما أمكنهم أن ينقذوه منّي كأنثى ..

أشعر بشوقٍ للجوع وأتحسّرعلى المرات التي لعنت فيها الدّهون المتراكمة في أردافي وبطني، أعشق كلّ ما خسرت من دهون جسمي. جسمي الذي لم يكن ليعجبني ولم أكن لأرضى عنه دون أن أمنع نفسي من كلّ لذيذٍ من الطعام!

أذكر اليوم الذي خسرت فيهِ آخر خصلةٍ من شعري لم يكن الأمر بهذه السّهولة، لم أستطع تجاوزه دون أن ألومَ نفسي في كلّ مرة تذمرتُ من لونهِ أو أطرافهِ المتقصّفة أو حتى من حُلّته المتعرقة المكسوّة بالزيت ..

أشتاق مرور الهواء بين خصلاته. سأشعر أنّني عُدت للحياة فعلاً حين أراقب تقلّب فصول السّنة منعكساً عليه ..

و لطالما ظننتُ أنّ إزالة الشعر الزائد من الآلام العظيمة التي ابتُليت فيها المرأة حتّى جاء الوقت الذي أبحث فيه عن شعرة واحدة في جسمي تُذكّرني أنّني عمّا قريب سأعود طبيعيّة لروتيني الطّبيعي ..

لقد أحضرت لي إحداهنّ رموشاً اصطناعيّة و الأخرى "باروكة شعر". كانوا حريصين دوماً أن يحيطونني بكلّ علب المكياج و إخفاء العيوب .

أحبّهم! كلّ من حولي أحبّهم بقدر كرهي لشفقتهم عليّ و بقدر كرهي لحرمانهم لي من البكاء و الشعور الطبيعي بالألم و الحزن كي أبقى في " حالةٍ نفسيّة جيّدة " كما يزعمون! يُصادرون كلّ دمعة و كلّ أنّة، لكنّ التعبير من حقّي كبشر. من حقّ روحي عليّ البكاء تماماً مثل حقّ مناعتي عليّ بالصمود و التّماسك!

و كانت ذروة كلّ ما أعيشه حين أخبروني أن ما تجرّعته خلايا جسمي من سموم كي تحارب الخباثة كان أكثر خباثةً منه حين أفسد حقّي البديهي بالأمومة و حُلمي الطّبيعي بطفلٍ أنجبه ممّن أحب وأخبئه في أحشائي، أحميه منّي ومن الحياة حين يتّخذ رحمي موطناً، لكنّ جسدي الأن ساماً على ذلك الحبّ الذي أحببته للطفل الذي لم يأتِ بعد و لن يأتي أبداً! يا إلهي كم تحبّ المرأة ابنها الوهمي قبل أن تنجبه و قبل حتى أن تفكّر بإنجابه ..

حين خرجت من غرفتي في المشفى محاولةً المشي مارّة بجناح الأطفال المصابين بالسّرطان، ظننتُ أنّني لربما قادرةً على أن أصبح أمّاً لكلّ منهم. جرّدني السرطان من أنوثتي واقتلعهم من طفولتهم كبراعم بكلّ ما يملك من أشواك ..

و لكن لم يستطع يوماً أن يجردنا من إنسانيّتنا!

لقد فقدتُ ميزاتي الأنثوية لكن! ميزاتي كإنسان نَجَت بكلّ صعوبة، ألم تنجو ؟ لازلت قادرة على الضحك وعلى جعل أحدهم أن يضحك!

لديّ " صرختي الخاصّة " و نبرة صوت مميزة و حنجرة لم تتسرطن بعد و الكثير الكثير ممّا أودّ قولهُ و البوحُ به!

خلايا قلبي حيّة .. و أستطيع أن أُحبّ و أعطي حتّى لو فقدت مقومات الأمّ البيولوجية .. إنّها الغريزة بداخلي لا تزال يقظة و سأكون أمّاً لكل مجروح و لكلّ من أحبّ

فقدتُني كأنثى جذّابة لأيّ رجل .. لكنّي لم أتوقف عن كوني امرأة بكلّ قدرتها على تحمّل الألم ، بكل "ثورات عواطفي و تقلّبات مزاجي " .. نعم لازلت امرأة تعشق الألوان ، تحبّ روائح الصابون و ملطفات الجوّ ، تحبّ حذاءها بكعبٍ عالٍ و شفاهها بلونٍ أحمر ..

أحبّ كل التفاصيل السّخيفة التي تخصّني كامرأة بكلّ ما تحمل لي من بهجة غير مفهومة!

أن أكتب، أن أرسم، أن أكون صديقة و ابنة للحياة، أن أغني، أن أرقص .. هذه أشياء بإمكاني أن أفعلها .. وسأفعلها ..

دخل عليّ طبيبي بعدها ليخبرني بما علّي القيام به من فحوصات مستمرة نظراً لاحتمالية انتشار الخباثة لبقية جسمي إن انتكست مرة ثانية ..

فأجبتهُ أنّني في الفترة القادمة سأحرص ألّا يصل السّرطان لروحي و ألّا يتمكن من إيماني!

و أنّ عليه أن يحذر منّي و من كلّ محارب ضدّه لأننا سنحارب حتّى الموت أو الحياة!







comments powered by Disqus