الحجر الصحي وألعاب الوحدة

Post
الصورة
humen
أشخاص يعانون من الوحدة نتيجةً للحجر الصحي.

العالم لن ينتهي، سيتوقف عدد الموتى، وستنتهي الجائحة لا محال، فتاريخ أسلافنا يشهد لنا بقدرتنا على التصدي والتأقلم. لكن بعد العودة!، هل سنهرع لعيادات الأطباء النفسيين؟ أم سنلجأ لقصص الحبّ التي صمدت في وجه الحجر؟.
بعد ظهور الـcovid-19 وإعلان الحجر الصحي العام، واجه الإنسان ضعفه الأزلي بالبقاء وحيداً، وتخليه عن غريزة الجماعة التي صنعت منه ما هو عليه، وشعرَ في قرارة نفسهِ بطعنةٍ في كبريائه؛ لعدم قدرتهِ على مواجهةِ كائن لا يتجاوز حجمه بضعة ميكرونات.
لم أكن كائناً اجتماعياً، أشبه شجرة السنديان التي تصاحبها السماء والفصول وعلاقاتٌ منتهية الصلاحية. حيطان الجيران لا تعني لي شيئاً، غرفتي هي حدودي، والمختلف بالنسبةِ لي، عجزي عن رؤية الرفاق والمقاهي بتكرارٍ أسبوعي.
بعد مضي ثلاثة عشر يوماً من انقطاع الحياة، صارت الأيام تعدُّ نفسها كالتالي: أحد، أحد، أحد، اثنين، اثنين، اثنين..إلى آخره.، وبدأ اقتباس لدوستويفسكي يجولُ بخاطري كالكلب المذعور، يعوي ويقول: " لقد غدا قلبه فارغاً تماماً، وعاوده الإحساس القاتم بالوحدة، الوحدة العميقة القاسية التي تنخر كيانه".
فأجسامنا حين تفتقد لمن تحب، تفرز هرموناً يدعى "بـ الكورتيزول" يضعف الجهاز المناعي، ويجعلك هشاً، فكونك وحيداً يجعلك مريضاً؛ ولذلك نوّه الأطباء بأن الصحة النفسية مهمة في تدعيم المناعة ومجابهة الcovid-19.
ولمواجهة الأمر اخترعت شيئاً أسميته "ألعاب الوحدة". أتعرفون هذه اللعبة؟ أن تقرأ كتاباً كاملاً دون انقطاع، ودون إحساسٍ خانق بضيق الوقت. أن تدخّنَ داخل شعاع الضوء الداخل إلى غرفتك في وقت الظهيرة. أن تكنّس قائمة ال (watch later ) على منصة الyoutube. وتنهي مساقات مهمة توفرت على الإنترنت..
ألعاب الوحدة تشمل اكتشاف الذات و مجابهة الحقائق، أن ترمي نواقصك أمامك وتجمعها كالpuzzle؛ فتصبح لوحةً مذهلةً معلقةً على هامتك. أستطيع الآن استعادة نفسي بسهولة ومعروفة المأكول من قلبي بلمحِ البصر.
ألعاب الوحدة جعلتني طفلاً من جديد، أستدعي خيالاتي كلها، وأحدثها عن الحبّ والطمأنينة والظلم، نبني سوياً عالماً، ونحطّمُ آخر..
تعلّمت من الوحدة، ألا أهربَ من ذاتي، وأن العائلة هي الثروة الباقية، وبالحب الصالح وحدهُ ننجو من خوفنا، من الحزن الذي ابتلع صدورنا، ومن الألم.
الحجر رمّمَ ما افترسهُ الوقتُ مني، وصرت مستعداً مجدداً، لأن أجابه العالم بكلِّ خصاله.

مدونة
الجمهورية العربية السورية