العصفورة

Post
الصورة
العصفورة .أبي قدوتي . معلمي قدوتي

شخص غير مرئي يتبعني أينما ذهبت طوال اليوم ليذهب في المساء ويتكلم لأبي ولأمي عن اليوم الذي مررت به، كيف كان وماذا حدث.. "العصفورة" ذلك الكائن الذي كنت أسأل أمي عنه فتضحك وأسأل أبي فيضحك.

أصبحت أفكر في معنى العصفورة التي ارتبطت بمرحلة الطفولة حين نتصرف بشكل خاطئ وتركت الموضوع لفترة حين لم أجد جواباً مقنعاً، لكنني الآن عدت لأبحث عن ذلك المعنى، فكرت بمعنى أفضل للعصفورة وكأنها إنسان مرئي.. شخص يحب تتبع تصرفات الأخرين ولكن لم يقنعني ذلك أيضاً، وجدت معناها الأفضل يتجسد في أن تكون العصفورة هي الإنسان القدوة الذي يلاحظ ويهتم وينقل التصرفات الصحيحة.

فالاقتداء هو تقليد المقتدي للمقتدى به في تصرفاته وأفعاله وأقواله، دون أن يكون المقتدي تحت تأثير التسلط أو الضغط أو الإجبار وإنما يتصرف بكامل إرادته وبقناعة تامة. مثال على ذلك؛ طفل يعامله والداه بصرامةٍ وقسوة، ويُمنَع من تحقيق رغباته، ويقابل بالرفض الدائم لطلباته بالإضافة إلى اتخاذ أسلوب اللوم والعقاب معه في كل شؤونه، مع تحديد طريقةٍ لأكله، ونومه، ومذاكرته، وتعيين مَن يصادقهم ويلعب معهم، ونوعية الملابس التي يرتديها الطفل دون مراعاةٍ لرغبات الطفل، أو أي اعتبار له، وبالإجمال يكون الوالدان هما كل السلطة في إدارة أمور الطفل، وبزعم أن ذلك يعوِّده على الجدِّية والنظام والطاعة؛ ولذلك يحمِّلون الطفل المهام التي تفوق طاقته، ويطلبون ذلك بالأمر، وليس بأسلوب الإقناع والرفق.

القدوة أمر مهم لا يمكن الاستخفاف به ويعد من أهم الأمور التي يمكن أن تساعدنا على تهذيب النفس والسير على الطريق القويم الذي يحبه الإنسان ويرضى به لنفسه وبما يحفظ له كرامته الإنسانية وعزته، والأهم يحافظ على أخلاقه بوضوح أكثر، فإذا شعر بالغضب لن يشتم ويصرخ بالعكس سيكون أقل حدة، القدوة لها أهمية كبيرة في الحياة حيث توفر الكثير من الوقت والجهد على الوالدين في تربية أبنائهم ومحاولة غرس السلوكيات الجيدة فيهم. وعندما يختار الطفل القدوة فإنه يقلده في سلوكياته، ويكون دور في بناء أفراد يتسمون بالسلوكيات والصفات الجيدة مثل المثابرة على العمل والنجاح به بعيداً عن الصفات السلبية، فمن المؤكد أن القدوة لن يتم اختيارها بعشوائية، بل يجب على كل شخص أن يضع شروطاَ لاختيار القدوة الحسنة. يوجد هناك العديد من الشروط العامة منها:

1. إيمان القدوة بالفكرة التي يدعو إليها واقتناعه التام بها حتى يستطيع أن ينقلها بالصورة السليمة للآخرين ليؤمنوا بها.

2. أن تمتلك القدوة علماً يؤهله للتأثير الإيجابي في الآخرين، ويقول سيدنا عمر: تأهّل قبل أن تتصدر.

3. حسن الخلق إذ لا بد أن يتحلى بالأخلاق الرفيعة مثل الرحمة (ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء والرأفة والتسامح والعفو)، فهو وإن كان عالماً ولكنه يفتقد لهذه الأخلاقيات فإنه لا يستطيع أن يكون مؤثر بالمقتدي.

4. التوازن بين العلم والعمل، فلا بد على القدوة أن يعمل بما يدعو الآخرين إليه.

5. الثبات على المبادئ، فلا يغير مبدأه مهما حدث.

6. الـتأكد من صحة النصوص المنقولة بمراجعة صحة ما يدعو به قبل أن ينقله للآخرين.

7. أن تتحلى معاملته بطبيعته الشخصية، فلا يتعامل مع الآخرين إلا على طبيعته دون تكلف.

8. اعتراف القدوة بالخطأ إذا وقع فيه، والسعي لتصحيحه في أسرع وقت، وأن يقوم بمحاسبة نفسه دائماً. إذا تصرف القدوة تصرف غير مهذب ولم يعتذر سيشكل ذلك خطأ كبيراً.

9. يقبل المزاح (بالنسبة لي).

الأمر الذي يجب أن يكون واضحاً للناس أن وجود القدوة مهم جداً للأطفال واليافعين، فالطفل يقلّد كل ما يراه أمامه ومن الضروري أن يتأثر الطفل ويبنى سلوكه على تصرفات صحيحة، فإذا كانت التصرفات سيئة سيدمر الطفل أخلاقياً منذ البداية ولن يكون الأساس صحيحاً ونصل إلى مجتمع فاسد أخلاقياً، ولهذا فالأب والأم والإخوة الكبار والمعلم ........إلخ هم أيضاً قدوة للطفل.

وكما قال مروان الراس* اليافع هو الخامة، وأنت بيدك تحويل هذه الخامة إلى ماس أو فحم، والقدوة يستطيع أن يحوله إلى ماسة بكل سهولة، فاليافع عندما يختار القدوة الحسنة سيصبح فعالاً في المجتمع لأن القدوة ستشجع اليافع كثيراً وعندما يسير اليافع في الطريق الصحيح سوف يتشجع على أن يبقى عليه وحين يسير في طريق غير ملائم وخاطئ لن يكون القدوة مشجعً فقط بل أيضاً مصلح خطأ يقوم له سلوكه على طول دربه.

هكذا نكون قد تكلمنا عن جزء بسيط من مفهوم القدوة الواسع وأرى أن القدوة ليس مجرد شخص واحد في كل مجالات الحياة ومن الممكن أن يكون لكل مجال تحبه قدوة لتحصل على أكبر فائدة ممكنة وتصبح فعالاً أكثر ضمن المجتمع.

وقبل أن ينتهي الكلام أود مشاركتكم بجزء بسيط من السيرة الذاتية الخاصة بالقدوة التي اخترتها:

عمر العصفورة مواليد 1989 حمص الذي كان مسقط رأسه في حي الميدان والمحطة الأولى ليبدأ بعدها التنقل في أحياء هذه المدينة المحترمة. حصل عمر على شهادة التعليم الأساسي ومن ثم على شهادة الثانوية ودرس بعدها في كلية الهندسة المعمارية التي دخلها عن رغبة شديدة. عمر كان ومازال من الشباب ذوي الأخلاق الرفيعة التي تعلمها من عائلته. ولدى عمر منذ الصغر العديد من الهوايات التي يعشق ممارستها كالرسم والشطرنج والجري. حتى في شبابه يعد عمر من الناس المحبين لفعل الخير والأعمال التطوعية فكان من الشباب المتطوعين في جمعية البر والخدمات الاجتماعية الذين تعاونوا على إنشاء فريق متطوع المستقبل (فريق تطوعي لليافعين) مما سمح لعمر بدعم اليافعين بشكل كبير، وكان من أول الشباب الداعمين لليافعين لأنه يعتقد أن المسؤولية عليه كبيرة خصوصاً مع هجرة الشباب من البلاد فور تخرجهم من الجامعة، عمر دائماً يساعدني في كل الأوقات. ما زلت أذكر مرة ساعدني فيها حين كنت حزيناً جداً على سفر أحد أقاربي فكان عمر أول من عوضني عن غيابهم عند سفرهم فأصبح عمر أفضل صديق لي دون أن يشكل فارق العمر أي عقبة أمام ذلك.

عمر هو قدوتي.

* مروان الراس: أحد الكتاب المشاركين على موقع أصوات الشباب.

مدونة
الجمهورية العربية السورية