إلى اللقاء

Like115
Post
الصورة
كنت أؤمن وما زلت أن اللقاءات المؤقتة مؤلمة..

الثانية وخمسة عشر دقيقة عصراً
طريق بيروت - حمص
الخامس والعشرين من شهر شباط لعام ٢٠٢٠

_______
يُعدّ هذا الطريق من أكثر الطّرق التي شهدت على دموعي وغصّات قلبي وتنهّدات الحزن اليتيمة.
في كل مرّة أشعر وكأنها المرّة الأولى رغم تكرارها... مرورنا بالحزن لا يعني تجاوزنا له، فمجرّد تكرار الحالة، تعيد الحزن ذاته في كل مرّة .. بالدموع ذاتها بل وأكثر..
لكننا نتعب!
أن تعيش الألم بشكل دوريّ بدرجات متفاوتة، أن تختبر الفراق كل فترة، أن يذوب قلبك شوقاً، أن تبكي قهراً.. ضعفاً لا قوة.. خضوعاً أمام أحضان الوداع..
لا زلت أؤمن أن اللقاءات المؤقتة مؤلمة.. لا يوجد عتبة للألم عند الوداع أو مضاد للنهايات.. لا سقف لدرجات الألم، وفي كل مرة تكتشف أن هناك عتبة جديدة أقسى من التي سبقتها.. ولا يمكن للمضادات أن تصدّ عنك الألم.
أوّل وداع قاسيته لا يمكن لعصور ودهور أن تَمحيه من ذاكرتي، لا يمكن أن أنساه أو أن أنسى ألمه.. لقد كان مُرّاً جداً، كان صامتاً ولشدّته كان خالياً من الدموع أيضاً!
لم يكن لدينا وقتٌ للبكاء أو لاستيعاب أن هذا الرحيل سيكلّفنا سبع سنوات من الفراق..
تشتّت عائلتي لم يكن بالحسبان أبداً، نخزٌ في كل جزءٍ من القلب، والضياع في المجهول.. حتى أننا لم نحظَ بعناق، أو قبلة، أو أمنيات وأدعية ندعوها لبعضنا البعض فقط نأمل أن اللقاء قريب..
وكان أول لقاء بعد أربع سنوات!
يا إلهي كم أصبح سهلاً أن نعدّ السنوات أرقاماً ناسين أنها هي عمرنا وسنوات حياتنا..
وأننا بكل ثانية فيها نعيش سنة، وأن كل سنة فيها نكبر عُمراً ونشيب شوقاً.
لقد كان لقاءاً جميلاً للحدّ الذي لا أستطيع وصفه، عدا عن أنه كان خمسة أيام بثوانيها.. خمسة أيام عن أربع سنوات!
خمسة أيام عن ١٤٦٠ يوماً!
بعده أتى اللقاء الثاني والثالث والرابع والخامس.. هذا ما أذكره، كان مجموع وقتنا في اللقاءات جميعها تقريباً ثلاثون يوماً عبر سبعة أعوام.. أي ما يقارب ثلاثين يوماً مقابل ٢٥٥٥ يوما من الفراق!
سحقاً للحياة التي تجعلنا نحسب أشواقنا بساعاتٍ قليلة مع من نحب..
في الوداع الأخير، لم أستطع النظر إليهم أو أن أقول لهم كلمات وداعية اعتدنا قولها بدلاً من أن نبكي سوياً لنحافظ على قوتنا أمام بعضنا البعض، حتى هذه الكلمات لم أستطع أن أقولها لأن الشعور كان أقوى من أن ألفظ أي شيء.. اكتفيت بإيماءات قصيرة فقط.
يا الله.. كم نحتاج لنتجاوز كل الأوقات المُرّة التي خضناها وكلّ الدموع التي ذرفناها وكل الكلمات التي غصّت حناجرنا بها خوفاً من الانهيار؟
يا الله.. كم يحتاج المرء لنسيان كل ما مرّ به؟ أو هل يمكن أن ينساه؟ هل نصير كما حلمنا يوماً أن نكون؟ بيتاً واحد، وطناً واحد، عيداً واحداً؟
هل سنحظى بلقاء لا يحدّه توقيت ولا تأشيرات سفر وأسئلة تحقيقية وكذبات معروفة؟
لقاء لا يحتاج إلى قطع مسافات كبيرة وصرف أموال كثيرة وتنفيذ خطط دقيقة؟
لقاء لا يحتاج لجواز سفر أو هوية؟ 
هناك.. في تقاسيم وجوههم.. وطنٌ وطفولة كاملة مليئة بالضحكات والذكريات التي لا يمكن نسيانها، هناك أحاديث طويلة وهموم كثيرة وأحلام بعيدة، هناك مستقبل شابّ وحاضر عجوز، هناك مشقّة الرّجال كلهم ومزاح الأطفال كلّهم، وحبّ الإخوة كلهم والآباء، وخوف الأمهات وحنان الأخوات، هناك وعود كل الأصدقاء الوفيّة ومواساة العالم أجمع.. 
هناك حربٌ كاملة في تقاسيم وجوههم المسالمة.
ولكنّ الحرب كلها تقف عندهم، وعلى أعتاب حبّهم واحتوائهم..

تقف عند احتوائهم لنا حين نلجأ إليهم بضعفنا وقوّتنا وحُبّنا.. هم اللاجئون إلى بلادٍ غير بلادهم وأرضٍ غير أرضهم. 
لا يمكن اختزال تسع سنوات من القهر في عشرة أو عشرين سطراً ولا حتّى في كتاب..
في حين أننا نراها كلّها في دموع المقهورين والجائعين، في عيون الفاقدين والمفقودين، في أكفّ العاملين المجاهدين في سبيل النجاة، في دعوات الأمهات الثكالى والآباء المتعبين.. 
نشعر بها عند بوابات المغادرة والعودة، وفي التأشيرات المرفوضة.

تُختزل الحربُ في شواهد القبور المجهولة.. المرقّمة.. المخفيّة.. 
تُختزل في الكلمات الأخيرة والأمنيات الصادقة والمشاعر الملتهبة عند كل وداع، عند كل فراق، عند كل بكاء،

وعلى أبواب السيارات المُسافرة إلى البعيد.. إلى المجهول.. إلى اللقاء.

مدونة
الجمهورية العربية السورية