بداية القصة وأشياء أخرى

Like135
Post
الصورة
دفتر

لدى أبي قناعة بوجوب اجتماع كافة العائلة على طاولة الطعام، بإعتقاده ان البركة تحل علينا وإن لم يكفنا الطعام، "السفرة الكبيرة ما بتخلص.."

 لكن السفرة الصغيرة لا تملك أي قيمة تذكر، رماد.. وسبحان الله أنا كنت مقتنعاً تماماً بالعكس..كانت شهيتي تموت عندما آكل وجبات الطعام مع العائلة وتبعث من جديد عندما أكون وحيداً.. بسفرتي الصغيرة التي لا تملك أي قيمة حسب ما لمّح والدي. لربما  كان هو  يحاول أن يشرح لنا قيمة الترابط الأسري بهذه الطريقة، ولكن أظن أنه فشل.

وبما أنّ تسلسلي بين أخوتي هو قبل الأخير، فلم يعترض والدي كثيراً على رغبتي أن آكل وحدي ، وحتى والدتي تعاطت مع الموضوع تماماً وصارت تبقي  طعامي جانباً حتى لو كنت موجودا في البيت وقتها. قد يكون بسبب تسلسلي العائلي، كما أن الإنسان المجرد من الضر والنفع بالبيت لا  يستطيع أحداً  أن يضرب فيه الأمثال.

ترعرعت هكذا.. وحدي .. كل شيء أقوم به  بترتيب معين.  وقت الأكل وقت مشاهدة  التلفاز ووقت الدراسة ووقت لعب الشطرنج وهكذا.. كنت حريصاً أن أعيش بعالمي الخاصّ الذي يمكن أن أصير فيه بطلاً ومحط أنظار سكان هذا العالم. بمعنى لو قُدّر لي أن ألفت نظر أهلي والناس من حولي في أرض الواقع أستطيع عمل كل هذه الأشياء في عالم الوهم والخيال. 

كثيرا ما كنت أحب الرسم وأصرف جهدي ووقتي ومصروفي على أدواته حتى أنه في يوم اشتريت دفتراً أزرقاً كبيراً بغلاف حلو بهدف أن أثبت فيه رسماتي، وخبأته في درج المكتبة وإذا دق الملل بابي أنظر إليه.  لم تكن الحياة رحيمة دائماً بالأشخاص المسايرين لها، ففي يوم كنت عائداً من المدرسة ولم أجد الدفتر، بحثت عنه بكل مكان لم اجده، أختي الصغيرة كانت  قد أخذته من الدرج وقامت بتمزيقه! "ولا ورقة بمحلها".. "ولا رسمة بمكانها".. ومن صدمتي الهائلة وانا أرى  بقايا الدفتر بين يديها لم أكن مقرراً أن أبكي، لم أسكت .. انفعل أم أغضب .. لم أجد نفسي إلا وقد ضربتها كان هذا طبعاً قبل مجيئ أخي وأختي الأكبر مني يبعدونني عنها.. هدأت وقلّ انفعالي. رأت أمّي الموقف، ضربتني على وجهي. كانت أول مرة منذ سنين طويلة وقالت إنه لا يوجد مبرر في الحياة ان أضرب  أحداً أصغر مني سناً.  وبوسط  دموعي وأنا أاسمع كلامها سألتها  : "مدام هيك، ليش ضربتيني" ؟.. سكتت.. ومضت... 

كان أخي  وأختي يراقبون المشهد وبعينيهم نظرات الشماتة. أذكر أنهم كانوا ممسكين  ببقايا الدفتر مستهزأيين بما رسمت  "مين حكالك أنك بتعرف ترسم؟".. "رسمك بيخزي".. "مفكر حالك اشي وانت ولا اشي"...

كنت أسمع كلامهم  ودموعي لم تجف وقتها ثم تعاود الانهمار مجدداً.. وبلحظة عصبية انتشلت منهم الدفتر وذهبت لغرفتي  ومضيت بالبكاء حتى نمت. استيقظت على صوت والدي جالساً على طرف السرير ممسكاً بسيجارته، عندما انتبه أني فتحت عيني مسح على رأسي وقال " ما كان بستحقّ  كل اللي عملته" . أمي وقتها أتت لي  بسفرة العشاء. وضعتها بجانب السرير  وحضنتني ومضت هي ووالدي. ولأول مرة أمسكت بقايا الدفتر وصرت أنظر إلى رسوماتي بنظرة مختلفة. ترك فيَّ كلام أخوتي أثراً كبيراً.. قررت عدم الرسم من يومها... 

بصفتي إنساناً خجولاً في خوض العلاقات، لم أكن أمتلك صديقاً مقرّباً، كانوا مجرد أناس أعيش معهم فترة بسيطة خلال اليوم وأرجع  بعدها لهمومي وكتبي وطموحي بالتخرج بمعدل جيد لكي أحصل على وظيفة مرموقة، كانت غايتي بعض الاهتمام حيث أن إخوتي الكبار كانوا قد استحوذوا على معظم وقت أمي وأبي، حتى انهم قتلوا حسّ المفاجئة فيهم، فقد تخرجوا أطباء ومهندسين قبل أن أنهي أنا المرحلة الثانوية.

ومن غيظي وقهري عشت حسب ما  أذكر وقتها بين مسرحيّات الأدب العالمي لشكسبير وبناته الثلاث تاجر البندقية، هاملت، وروميو وجوليت كما عرجت قليلا على حياة أبو القاسم الشابّي، وأيضا أذكر تشربي لكبرياء المتنبي وسيبويه، وقتها أظن أنني اكتفيت بهذه لكني قررت أن أساير عمرو ابن كلثوم بشعره، كتبت بعض الأبيات مسايرة لقافية مشى عليها لا أذكر الآن ماذا كانت تلك الأبيات تقول، ولكن أذكر أن أمي ظنّت وقتها أنها لعمرو نفسه. لا أدري، شعرت بفرح وقتها أَنساني التهميش لربما كنت جيداً في شيء ما.

قررت وقتها أن أكتب عن الطقس وحديث جارنا أبو أحمد، وأيمن بائع الترمس، وخولة ومن يتربصها عند باب المدرسة وقت انتهاء الدوام، وكبرياء أحمد صديقي وقت عرضي عليه ساندويشة فلافل على حسابي الشخصي، ومعلمتي الحنون التي أمسكت بدفتر التعبير خاصتي وجالت به بأرجاء المدرسة. استبدلت دفتر الرسم بدفتر اخر كبير كنت امتلك عليه السلطة المطلقة، ولم أكن اتحرج من أن أروي قصة حبة الفستق وأصدقائها السبعة.

 

وقتها أيضا تعرفت على صبا... 

 

عندما حدّثت صبا عن ديستوفسكي وعمرو ابن كلثوم والخيبة التي بينهما .. ضحكت.. ظلت تضحك حتى دمعت عيناها.. قالت لي "هاي الحياة.. "أهلا وسهلاً فيك بالحياة  يا غلبان ".. قالت لي أنها تحب ورق العنب وعصير البرتقال وأوقات العطل، وتكره تصنّع صديقي أحمد إعجابه بها وتريد مني أن اتوقف عن الاستهزاء بالناس بمذكراتي الخرقاء، وانتقدت كيف أن الجينز لا يناسبني وإنما تفضل أن ارتدي ملابس اكثر رسمية دائما.

وقتها كان كلامها  يطبطب على قلبي وعلى كل التعب الذهني الذي سكن  وجهي وجسمي،  بتلك اللحظات حضنتها  فترة طويلة شعرت وقتها أني كنت أحاول بقربها ان أروي قصتي منذ البداية، حدثتها  قصّة الدفتر لأول مرة، دفتر الرسم، وقصة دفتر التعبير الذي كان يُشعرني بالتميز. كنت أتحدث إليها بدون النظر المباشر  في عينيها، ولما انتهيت، جلست أمامي ومسحت على وجهي. فاجأتني وقتها بحنانها المستفيض. نبهتني أن هذه المرة هي  أول مرة أحضنها دون سبب. وأنني أناني بالكثير من المرات التي تركتني أتحدث فيها دون أن أستمع لها .. قالت لي وقتها أننا دخلنا في مشهد درامي سخيف والأجدر بنا أن ننتهي من كيس الفول النابت الذي أحضرته من ساعة. وأنها معي في حلها وترحالها وإن تباعدت بيننا المسافات بعد اليوم.. وقتها اذكر انها قررت اختصار اسمي وجعلته مقتصرا على الحرفين الأولين بدعوى طول الاسم 

 

لربما  كانت هذه أول مرة أختبر شعور حريّة الحديث الصادق. شعور أن أكون كالكتاب المفتوح أما شخص ما، وأنه يملك كل نقاط قوتي وضعفي.. صِبا  كانت أول صاحب.. وأقرب صاحب.. يعني قبل أن تضيّع كيس الفول النابت. 

في حياتك يكون دائما هناك الجانب المظلم الذي لا يمكنك اكتشافه حقاً ولكن يمكن لشخص ما في ظروف معينة إخبارك بمكانه، هذه الظروف هي التي جعلتنا نلعن الظلام مليون مرة ولكن لم تستطع إاخبارنا كيف نضيئ شمعة. 

 

تمّت 

 

قصص
دولة فلسطين