كانت هتفرق في الوداع

Post
الصورة
نعود لزجاجة عطر تعبث بذاكرتنا وتحتار أدمعة ترسم على خدّنا أم بَسمة؟

محتجزون دوماً في زجاجة عطر أو منديل أو صندوق صغير
ما إن نفتحه حتى تعود إلينا أرواحنا وكل الأفكار التي تراودنا.
إننا مزيجٌ من ذكريات.. نتدمّر حين تأتي إلينا كل اللحظات التي لا نستطيع إعادتها أبداً.. فنعود إلى ذلك العام، إلى ذلك الشهر، إلى ذلك الشارع، إلى ذلك البيت، إلى تلك الزاوية، إلى بقعة الشمس التي تملئ الغرفة، إلى الرائحة العبقة هناك
نعود بأرواحنا إلى هناك وليت لأجسادنا أن تعود.
وحين يُسمح لنا بالعودة نخاف.. نخاف أن يخون الواقع ما حفظه العقل الداخلي لنا وأن ينزع تلك الصورة الجميلة لكل تلك الأمور التي نحتفظ بها.
نخاف أن يكون انهيارنا حينها أكبر من الانهيار الذي نراه، انهيار أحلام أقلّ عمر قد يكون لها هو 15 سنة قديمة و15 سنة قادمة!
أن ينهار قلبنا قبل قوامنا.. دوماً ما كان الخوف هو الهاجس الأكبر والعذاب الحقيقي لكل الخطوات التي يمكن أن نمشيها ولا نعرف ما قد يؤدي إليه السير إليها.. ولكن هنا يختلف الأمر جداً.. نحن نعرف ما نُقدم عليه، وما قد نراه، وأن البكاء هو الفعل الوحيد الذي سيأتي إلينا.

"لو كنتُ بس ساعتها عارف إن دي المرّة الأخيرة.. كانت هتفرق في الوداع"
حتماً أن الوداع سيكون عكس ما كان.. كان هيّناً بصعوبة، وسهلاً بغصّة.
لم يكن كذبة نرويها أن اللقاء سيكون على الحال الذي كان فيه الوداع
كنتُ احتضنتُ الوسادة أو حتى أخذتها معي في حقيبة مخصصة للأحلام والأمان، ومعها الصور التي حاوَلت أمي أن تخبئها لنا لنُريها لأطفالنا وبقيت محافظة عليها لسنوات عديدة.
كنت أخذتُ رائحة الدفء والضحكات، وخبئت في جزدان يدي نظرات كل الراحلين، وأبقيت على عناقاتهم في قلادتي.
أو.. كنت بقيت هناك، ليصيبني ما صاب كل الأشياء التي بقيت هناك ولم أتركني هناك وأرحل.
المؤسف هنا أنني أعلم أن كل الأمور لن تعود، وكل الأشخاص لن يعودوا، وأنه حينها سيكون عذاباً أكبر بحقّ القلب والعقل.. أن تعود وحيداً حيث كانوا كلهم هنا.. أن تكون في الدّفاع عن مرمى ذكرياتك ولا أحد يحرس أيامك أو يحميها.. ويكثر المهاجمون ليسددوا نحوك العديد من الهجمات التي لا يستطيع عقلك أن يحتمل التفكير بها.
هي لعبة وأنت غالباً ما تكون الخاسر.
تسأل نفسك: كم من الوقت عليّ لأبدأ من الرميم الذي أنا عليه؟
كم من الوقت أحتاج لأعيد بناء ما بَنَته كل الأيادي من قبلي؟
كم من الوقت علي الانتظار لأحظى بذلك العناق الذي يخبرني أنه لا قوّة يمكن لها أن تهزمني سوى من خلقها؟
واللهِ أنه ليس على المرء أصعب من شعور الفقد والشّوق لأشياء لن تحصل مجدداً، إضافة لشعوره بالحرمان.. دون رضىً منه أو موافقة.

نعود لزجاجة عطر تعبث بذاكرتنا وتحتار أدمعة ترسم على خدّنا أم بَسمة؟
_____

مدونة