خيبةُ أمل

Like1455
Post
الصورة
فتاة صغيرة بفستان زفاف وبيدها دميتها

توفيتُ منذ ساعتين من الآن .. أجل .. أجل .. أنا الآن ميتة .. حتى أنا لا أكاد أصدق كيف حصل الأمر فجأة .. كنت أعتقد أن كبار السن هم فقط من يأخذهم الموت .. لكنّي الآن ميتة .. أنا طفلة الأربعة عشر عاماً .. عندما كنت طفلةً في الخامسة ماتت جدتي التي لطالما أحببتها .. فقدانها آلمني .. لطالما حنت عليَّ وضمتني لصدرها لتنسيني حياتي القاسية .. أتعبني فراقها حدَّ المرض .. حينها أخبرتني أمي أن الموت حملها للسماء وصارت طيفاً .. كلما اشتاقت لنا زارتنا .. من يومها لم يعد الموت يخيفني .. إلى أن مررت به الليلة .. لم يكن الأمر وردياً كما صوّرته لي أمي .. لقد كان مؤلماً وقاسياً .. جاءني على صورة رجل بشع ومخيف في الأربعين من عمره .. رائحة أنفاسه كريهة ونظراته ثابتة مثل ذئب جائع .. باغتني هذا الموت وأنا نائمة في السرير .. لم أستطع مقاومته .. صرت وكأنّي في غيبوبة .. رؤيتي تشوشت .. لفَني البرد .. رأسي تثاقل .. فقدت الإحساس بجسدي الصغير وتخدّرت تماماً .. بدأت أصواتٌ غريبةٌ تعلو لا أفهم منها شيئاً .. لقد شعرت به يمتص ما بي من حياة قطرة قطرة ... أغمضت عينيَّ واستسلمت له .. للموت ..

ها أنا ذا ميتة .. وكما أخبروني على الدوام أن شريط حياتنا يمرُ أمام أعيننا عندما نموت .. فها هو شريط حياتي القصيرة يمر .. فأمشي معه محطة محطة ..

المحطة الأولى : أمل طفلة الست سنوات :

أجلس قرب أمي وهي تحيك كنزةً صوفية نسيت لونها .. اتأمل الخطوط التي رسمتها السنون على وجهها فتحكي قصة عذابها مع أبي .. تنظر لي وأنا أراقبها .. تقربني منها وتضمني .. وكأنها تعتذر لي عن قسوة والدي .. عن حياتي بأكملها .. عمّا مضى.. وعمّا سيأتي !! تخبرني أنها هي من اختارت أن تسميني أمل .. لطالما رددت أمامي أنّي نعمتها .. ولطالما ردد أبي أنّي مصيبته ! .. فاجعته الكبرى .. لقد انتظر الصبيً طويلاً .. وعندما أنجبتني أمي بعد عقمٍ طويل كنت أملها .. وخيبته .

( الأصوات التي سمعتها لحظة موتي لا زالت تعلو ولا أعي منها شيئاً !!! )

المحطة الثانية : أمل طفلة العشر سنوات :

أنا في منزل عمتي الآن مع والدتي وعدد من نساء الحيّ .. يحتفلون بي لأنني صرت فتاةً كبيرة! كان من المفترض أن أكون سعيدة كما كل الطفلات في سني  .. ألعب بدميتي .. وأتناول الحلوى بشهية! لكني الآن منهمكة بإخفاء الكدمات على يدي تحت أكمام الفستان الذي صغر على مقاسي كثيراً .. مصدر هذه الكدمات هو أبي طبعاً! لقد طلبت منه البارحة أن يسمح لي بالعودة إلى المدرسة! جن جنونه .. ثارت ثائرته .. أبرحني ضرباً .. تعلقت عيناي بأمي علّها تنجدني من بين يديه لكنها اعتادت الأمر .. وبقيت تنظر لي بحسرة .. انتهى من ضربي .. وأخبرني أن مكاني الآن لم يعد بين الأطفال في المدرسة! مكاني الآن في بيت الزوجية!

( الأصوات تعلو أكثر فأكثر .. أشعر بالانزعاج! )

المحطة الثالثة : أمل طفلة الأربعة عشر عاماً :

هذا اليوم الذي يسبق وفاتي بشهرين .. كنت أجلس على الأرض أصفف شعر دميتي الوحيدة وأفكر بأن أتعلم الصوف من أمي لأحيك لها ثياباً وفساتين .. دخل أبي فجأة .. عيناه متقدتان وأنفاسه مسموعة .. علمت أن أمراً لا يبشر بالخير على وشك الوقوع .. وكان هذا ما حصل .. أخبر أمي أن تبدأ بحياكة ثياب جديدة لي وفستان زفاف! أجل .. بهذه البساطة نقل لنا الخبر! لقد وجد لي عريساً وأراد أن يزوجني! .. إنه  جارنا الأرمل الأربعينيَ .. وأنا طفلة الأربعة عشر عام .. عروسه! ارتميت على قدميه .. رجوته ألا يفعل بي هذا .. رجوت أمي أن تمنعه .. طلبت منها أن نهرب من البيت معاً .. ألا تدعني أموت .. أجل .. لم أرغب بأن أموت .. مضت الأيام ثقيلة مُتعِبة وأنا أرزح تحت وطأتها .. أقيس الثياب الجديدة وأسمع توصيات أمي مراراً حول الحياة الزوجية! في كل ليلة كنت أضم لعبتي .. أتوسل لله أن ينقذني .. أخبره أني خائفة .. أحاول أن أبكي فلا أستطيع .. لقد فقدت قدرتي على البكاء ..

( الأصوات صارت أعلى .. أستطيع فهمها الآن .. إنها زغاريد ! )

المحطة الرابعة والأخيرة : ليلة زفافي:

أسميتها ليلة النحر .. ألبسوني الفستان الأبيض ... مشوا بي إلى غرفتي الجديدة في منزلي الجديد .. تركوني وحيدةً جالسةً على السرير فيها .. ذهبوا إلى الخارج أغلقوا الباب وعلت زغاريدهم .. تمددت على السرير .. جاء الموت .. فستان الزفاف الأبيض ما هو إلا كفن .. متّ .. صرت طيفاً أروي لكم الآن قصتي .. حاولت أن أبحث في شريط حياتي عن لحظة حلوة .. لكني لم أجد .. دمعة حارقةٌ تسيل على وجنتي! أستطيع البكاء الآن! لكن مهلاً !! أنا ميتة .. أنا طيف ! الأموات لا يبكون ! أفتح عينيّ .. لا لا .. لست ميتة ! هذا الموت الذي كنت أعتقده ما هو إلا "زوجي"! وهو الآن إلى جانبي! .. أبكي وأبكي وأبكي .. أرغب في التقيؤ .. نعم .. أنا لست ميتة .. لكنني فارقت الحياة .. أنا لست طيفاً .. أنا جسد .. وليس للأجساد معنىً .. فقد قتلوا طفولتي .. أحلامي .. عمري كله ..

أجل يا أبي .. أنا لست أمل .. مكاني لم يعد في المدرسة .. ودميتي ما عدت أريدها .. أجل يا أبي .. فمن هذا اليوم .. من يوم نحري هذا لم أعد أمل .. لقد صرت الخيبة كما كنت تقول .. حقاً خيبة ..

تمَّت .

هامش : هذه القصة سردت على لسان الطفلة أمل .. وهي من خيال مؤلفتها .. أمل غير موجودة إذاً .. لكن هناك أخريات موجودات .. تغتصب طفولتهن يومياً تحت مسمى الزواج .. كان أمراً محيراً اختيار اسم الطفلة في القصة .. كان من الممكن أن يكون اسمها أحلام أو أماني أو فرح ! لكن يبقى الأمل صديق الطفولة وتبقى الطفولة هي الأمل .. من هنا وقع الاختيار على اسمها.

فلندعها تكبر بسلام .. لنحمي ( الأمل ) معاً ولو بكلمة .. لا للزواج المبكر .. لا لتزويج الطفلات .

خزامى السباعي

ملاحظة : تم نقل هذه التدوينة من الموقع القديم لأصوات الشباب حيث تم نشرها فيه في شهر كانون الأول عام 2017

قصص