كيف عرفتُ نفسي؟

Post
الصورة
مرآة

إنهُ من الغريب أن تولد بآلةٍ ترفضُ التوقفَ عن العمل، تُطرّز وتَحيك، ثم تنسُج وتَخيط، وبعدها تدمّر كلَّ شيء..
إنني أفكر طوال الوقت، أنجب في الدقيقةِ ألف حكاية، أخترعُ أولاداً وتفاصيلَ غريبةً، أجولُ في مدنٍ لا ربّ لها، ثم أعود من تلقاء نفسي إلى قيدي.
أنظرُ في المرآة، أفكر في نفسي. أتساءل من أنا؟ وأسأل الرجل الذي في المرآة، هل ابتسامتي جميلة؟ كيف تعامل الناس عند رؤيتهم وجوههم أوّل مرّة؟ كيف تعرفوا على أنفسهم؟ متى بدأت أدرك أن هذا الوجه لي؟
إنني مريضٌ بالتحديق، وبالضجيجِ الطويل، أنا مريضٌ بالأسئلة وبزجاج المرايا..
في الطريق إلي، ينكر الطريق بأنهُ لي، ولا أنكر أني تائه. أجبلُ من الحناء قوتَ يومي، وأصمُّ أذني ولا أرى معي إلّا ظلّي..
كلهم يطعمون الحقيقة كبدَ آمالهم، وحين شهرتُ المرايا عليهم، في البحرِ رموني، بعضي لهم، وكلّي نصيرُ السمك الجائعِ والغرقى.
وحدي أنا دوامة الرعب، وأشتهي أن أخلعَ خوفي وأخلع أبوابه، لكنّهُ يجتهدُ في لطمي كلما عاندته، ويدي لا تصلُ النافذة..
أفرُّ مني وأدع جسدي ينام في راحتيك، تدنو إلي فيرتفع سقف الحكاية، الحكاية التي لا تقتلها المسافات، ولا يدنسها الوقت..
في داخلي رسائلُ أعجزُ عن إيصالها لأصحابها، ووردةٌ تذبل قبل أن أطعمها لقلبِ أحدهم. إنني أبحث فيَّ عن بوصلةٍ تهديني لقِبلةِ قلبك، عن مكانٍ آمنٍ للحبّ..
أقف أمام مرآتي، وأقترب من نفسي، وأهمسُ: أحبّك، وبذلك أفسحُ المجال لأن يتسرّب الفرح إلى داخلي من خلالك، فالوقت الذي يمضي دونك، لا أسميه غياباً.

 إنها فرصٌ كثيرة لأن أجمّع حبي لك، وأسقيه على مهل، وحين تسألينني كم أحبك، أنا حقاً لا أعلم، لكنّي لم أكن جميلاً بالقدر الذي أنا عليه اليوم.

لا تزعجني ساعات نومك الطويلة، فأنا أتسللُ إلى أحلامك، وعندما أشتاقك، أضع يداي على أماكني المفضلة في جسدك، أوزّع الصور في كلِّ الغرف، أقف أمام مرآتي، وأتحسسُ عنقي، أشتهيك، وأقبلُ نفسي التي لم أرها كاملةً إلّا من خلالك..

قصص
الجمهورية العربية السورية