كيف يبدو الحجر الصحي في الشرق

Post
الصورة
اقتباس

ربما لم يذكر الدكتور خالد في محاضرته حول البروتينات أنها تذوب بفعل زيوت الصابون* في أحد صباحات فبراير الباردة  عام٢٠١٣، تلقيت هذه المعلومة في إحدى إعلانات شركة Lifebuoy للمنظفات قبل أن يتلوها على مسامعي الضباط القارئين لكل النشرات التوعوية الصادرة عن المكتب الإعلامي للجيش.. ما أدركته أن الجميع لا يعرف تماماً أن لهذه الزيوت تأثيرات جانبية، كتذويب القلب شوقاً والعقل أحياناً، وربما أبعد من ذلك بكثير!

أنا علي، عسكري إلزامي في الجيش السوري أخضع لإجراءات الحجر الصحي ملتزماً بقطعتي العسكرية في إحدى المناطق القريبة من مدينة البوكمال الحدودية مع دولة العراق. قد يكون فراق العائلة والأحبة أمراً اعتيادياً لكلّ عسكري، إنها حرب وللحرب ضريبة، لكن لهذا النوع الجديد من الفراق ميزة تزيده قساوةً ومرارة فكيف إذاً يبدو هذا الفراق المدعو بالحجر الصحي هنا في الشرق السوريّ؟

دهليز الضجر، "سالم سالم" يشعر بشوق لزوجته. 

حاول أحد الأصدقاء هنا شغل نفسه عن حقيقة الفراق هذا بطلبه مني تعليمه اللغة الإنجليزية بدءاً من الأحرف، والأرقام، ثم اللفظ والكتابة. من الصعب جداً تعليم شاب عشرينيّ لم يتم تعليمه الأساسي في صغره مبادئ لغة جديدة، اقتصرت اول ثلاثة أيام على لفظ الأحرف وحفظها غيباً. نصحتُه ببرمجيات تعليم اللغة التي تعمل على الهاتف الذكي وكان الرد منطقياً إلى حد ما: أيفهم البرنامج الذكي ما تعجز أنت عن فهمه وقد قضيت معي في نفس الغرفة عاماً كاملاً؟!  توالت الأيام وبدأت الحروف تتهاون أمام عزيمة شاب ذو هدف كنت أجهله. في طبيعتنا نحن البشر أن نسعى بأسلوب لا إرادي للتعبير عن مشاعرنا للغير بطريقة تميّز بوحنا عن بوح أقراننا، بعد أسبوعين من التدريب على لفظ الحروف بواقع ساعة تدريب كاملة يومياً اعترف الشاب بعجزه عن فهم هذه اللغة وكان طلبه الذي صرّح به صادماً: علمني كيف أكتب اسمي واسم زوجتي بالإنجليزية "ومسامحك باللغة كلا ع بعضا يا عمي!" وكان له ذلك، علمته كتابة الاسمين معاً بسرعة فلم يأخذ منه إعادة كتابة ما رسمته له من أحرف بضع دقائق. في يومنا التالي وجدت بقايا ورقة ممزقة من دفتري الشخصي الذي أدون عليه بشكل شبه يومي، تبادر إلى ذهني أنه وحده الفاعل، قال لي على العشاء أنه استعار ورقة وطلب مني تقييم ما كتب عليها. كان قد رسم الاسمين معاً يفصلهما أيقونة قلب متناظرة الأبعاد تقريباً وتكرارٌ للرسم نفسه عدة مرات. كان قد أرسل صورة عن الورقة هذه لزوجته عبر إحدى خدمات التراسل الفوري واعترف لي بأنه كان يلقن زوجته كل معلومة أمنحه إياها يومياً، يريدها أن تتعلم ما يتعلم وتشاركه ما يفعل كما لو كان معها وقربها تفادياً لحالة الضجر الذي يدخل -كل واحد منهما- دهليزه القاتل. 

الكثير منا استغلوا فتح edX لمعظم دوراتها التي تقدّمها بالمجان في صقل مهاراتهم إلا سالم سالم قد استغل دورتي المجانية الحصرية في توطيد علاقة زواج كان سيذيبها الصابون والفراق! يا لهذا الحب وما قد يفعل فينا.

 

كيمياء الصابون و"الفرات"، (جبريل الأسعد) يبتكر نظرية مرموقة. 

كان اليوم الثالث والعشرين منذ إعلان توقف الجيش عن منح إجازات لكافة عناصره، تجييش إعلامي هائل للصابون، القديس والمنقذ الجديد للبشرية. وجبريل لا يؤمن بالتلفاز، لايملك هاتفاً ذكياً، رافض ومعادٍ شرس للعولمة.. يقول لي دائماً : "اغتسل بماء الفرات** تنجو!." لم أعادي اعتقاده بل عاديتُ نفسي لعدم فهم هذا الاعتقاد المريب، حدثت معركة كلامية سريعة حول امتناع جبريل عن الغسل بالصابون قبل البدء بالطعام وكان الرد مجنوناً: "مياه هذا الخزان مياه الفرات والفرات ينبع من الجبال العالية في الأناضول ولم أسمع عن مصاب بالفايروس يسكن تلك الجبال فإذاً نعلم أن المياه نقية من المرض الغبي ذاك، وجدتي تسكن على ضفاف النهر في منطقة أقرب منا إلى المنبع وهي تغسل كل يوم ملابسها في النهر وتبث فيه رائحتها فكيف لي أن استبدل طهارة جدتي في الماء بصابون معمل عفن؟!" 

الآن أكثر من خمسة مليارات نسمة على سطح الكوكب تستخدم الصابون المصنّع آلياً بشكل يومي ويتبعون إرشادات التنظيف من منظمة الصحة العالمية إلا جبريل، جدته و سكان قمم طوروس يرفضون الامتثال! لربما أكون قد نزعت عن نفسي إيماني بالعلم حين بدأ الشك أن الصابون يذيب الأقنعة التي تخفي وجهنا الحقيقي، من يتجرأ على دحض نظرية جبريل المرموقة هذه دون أن يدحض في ذات الوقت انتماءه هو نفسه؟! إنها نظرية بسيف ذو حدين! 

 

جائحة كورونا بين العلم والعاطفة، الضحية واحدة.. نحن!

قد يكون من الصحيح تجريد البشرية واختزالها في شخصيتيّ سالم وجبريل مع تباينهما الواضح، سالم الذي وجد حلولاً لمعضلة الشوق وجبريل المؤمن بخرافة شديدة الحساسية في نقدها. كلاهما ناجٍ لكن من منهما هو الناجي فعلاً باعتقاده، بعلاقاته، بمعارفه، بعاداته، بمدخراته المعرفية...؟ 

أرى وأشاهد في كل يوم مشاهد الموتى في نيويورك، لامبارديا، بوردو، برشلونة، لندن، أصفهان، أنقرة.. أنظر إلى خريطة تفشي الوباء التي وفرتها Google *** ولا أرى عاملاً مشتركاً واحداً بين كل الموتى سوى أنهم كائنات ضعيفة بمواصفات الانسان. أدرك أن الجائحة كالنار في الهشيم لا تمّيز جبريل عن سالم أو عني أنا أو عنكم أنتم، وأدرك أن مصير هذه النار أن تنحسر في حدود رمادها وتخمد يوماً ما لكنني لا أرى ناجٍ واحداً من أثر هذه الكارثة على نفسه.. كلنا ضحايا إن لم يحافظ كل منا على علاقاته وصبره وكبح شوقه كما أراد سالم، وكلنا ضحايا إن لم يحافظ كل منا على معتقداته وإيمانه ومعارفه الذهنية وثوابت شخصيته كما فعل جبريل. 

الخسارة الحقيقية ليست فقط في الأرواح التي فقدت، بل بما قد نخسره مما ادخرناه وبنيناه من خصائص جعلتنا بشراً. 

 

 

ملاحظات:

  • سالم وجبريل، اسماء مستعارة. 
  • كيف يبدو الحجر الصحي في الشرق أيقونة مصغرة عما يبدو عليه الحجر الصحي في دول العالم أجمع. 

حاشية: 

* الغليسيرين مع حمض الستيريك (حمض الشمع) وحمض النخل وحمض الزيت. 

**معلومات إضافية عن نهر الفرات

*** الصفحة التفاعلية لإحصائيات إصابات فيروس كورونا

مدونة
الجمهورية العربية السورية