لا للزواج المبكر

Like110
Post
الصورة
لا للزواج المبكر

كُلما تعرفت أمي على أشخاصٍ جُدد يسألونها عن عُمرها فتقول لهم 40، ثم يأتي بعدها سؤالٌ عن أولادها فتقول: "لدي ثلاثة أولاد أكبرهم يبلغ الخامسة والعشرين من العمر”، وهنا تظهر علامات الاستغراب على وجوههم والسؤال الطبيعي التالي “كم كان عمرك عندما تزوجتي" ، تقول أمي بعد أن تغيرت ملامح وجهها لملامحٍ تُظهر أنها غير مرتاحة: "كان عمري 15 سنة"، وتخرج من حالة عدم الارتياح عندما ترفق قولها بعبارة: "تزوجت عن عمر صغير ولم أتابع تعليمي، لكن كُنت مصرةً على أن يُكمل أولادي تعليمهم الجامعي".

أعلمُ كل العلمِ أن أميّ ليست المرأة الوحيدة التي تزوجت بعمرٍ صغيرٍ، لكنها من القليلات اللواتي رُزقنَ بزوجٍ داعم، مُدرك للمعنى الحقيقي للمرأة ودورها الكبير كجزء فعال في المجتمع، إضافة إلى حاجتها للنجاح، العمل، والتميز على جميع الأصعدة.

وفكرة أن والدي كان داعماً لها، لا يعتبر حجة لهذا الفعل ولا يبرر فكرة زواجها المبكر، سمعتُ الكثير من القصص عن فتياتٍ تزوجن عن عمرٍ صغيرٍ وعانوا من ظلم الزوج أو الأهل، إضافة إلى العديدِ من المشاكلِ الصحيّة، النفسية والاجتماعية.

منهن من تزوجن بملء إرادتهن دون ضغوط خارجية نتيجة نقص وعيهن بما يترتب عليه هذا القرار من نتائج، ومنهن من كان الزواج عن عمر مبكر وسيلة للخلاص من الحالة المأساوية التي عايشنها، والأخريات اللواتي أجبرن على الزواج.

وقد عرّفت وثيقة حقوق الطفل الصادرة عن اليونيسف الزواج المبكر بأنه: الزواج في سن أقل من الثامنة عشر وما دون ذلك لا يمكن اعتباره إلا زواجاً مبكراً.

أظهرت العديد من الدراسات أنه تُسجّل سنوياً أعداد كبيرة من حالات الزواج المبكر ليس فقط في بلدان العالم الثالث بل أيضاً في البلدان المتطورة، وما يتولد عن هذه الأعداد أعداد أخرى لحالات وفاة أثناء الولادة ناتجة عن زواج مبكر، العديد من حالات العنف من قبل الشريك، العديد من حالات الاغتصاب الزوجي بالإضافة إلى العديد من الأمراض النفسية والاجتماعية.

تُظهر الأرقام الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة أن ما يقرب من 3 ملايين فتاة تزوجت في المنطقة العربية في 2015 قبل أن يبلغن سن الثامنة عشر، وخاصة أولئك اللواتي يعشن في أوضاع أزمات إنسانية.
في لبنان، من بين 70,000 من الفتيات المراهقات المسجلات كلاجئات من سوريا، 23% تزوجن قبل أن يبلغن سن الـ 18.

وعندما نتكلم عن التزويج المبكر يجب أن نتكلم عن التعليم، حيث أن نسبة كبيرة من الفتيات اللواتي يتزوجن عن عمر صغير تتوقف مسيرتهم التعليمية مع اتخاذ القرار بالزواج، وهنا تبدأ مشاكل أخرى بالتولد نتيجة هذا، كالجهل، والفقر، والجوع والعديد من الأمراض الصحية والنفسية.

إذا بحثنا قليلاً على الانترنت عن الزواج المبكر سنجد الملايين من البحوث، والدراسات والمقالات التي تتكلم عن آثاره ومخاطره على المجتمعات، و أتمنى أن لا تكون مقالتي هذه مجرد رقم يُضاف على هذا المحتوى الكبير.
خلال عملي في صندوق الأمم المتحدة للسكان أصبحت أكثر إدراكاً لخطورةِ الزواج المبكر وعواقبه، وأكثر التزاماً بالعمل على حل هذه المشكلة ضمن مواردي وقدراتي، بالإضافة إلى ازدياد إيماني بأهمية التوعية حول هذا الموضوع.

وأتمنى في مقالتي أن تحدث كلماتي أثراً ومن ثم تغييراً لواقع أفضل، وبالتأكيد دورك أنت كقارئ أن تشارك في هذه الرحلة وتلعب دوراً فعّالاً لضمان نجاحها.

لا أعلم متى سوف نتوقف عن رؤية المزيد من حالات الزواج المبكر، متى يأتي اليوم الذي تكون به عدد حالات الزواج المبكر صفراً، الوقت الذي يزداد به الوعي وتتغير فكرة "نهاية الفتاة بيتُ زوجها".

اليوم الذي يدرك فيه الرجال والنساء على حد سواء أن الحياة أكثر من مجرّد فكرة الزواج وأن الدنيا لا تدور بسبب كونهم متزوجين أم لا.

اليوم الذي يتوقف فيه الأب عن إنجاب 20 طفلاً ومن ثم يُزوّج الفتيات بعمر صغير ويقول:"أنني لا أستطيع تحمل تكاليف معيشتها"، الوقت الذي تُدرك به الأمهات أن تجربة زواجها المبكر يجب ألا تتكرر مرة أخرى مع فتياتها، وأن تُحصّن فتياتها بالعلم، اليوم الذي يتوقف به نظامنا التعليمي عن جعل حلم كل فتاة هو الفستان الأبيض، اليوم الذي يقف به القانون ليس قولاً وحسب بل وفعلاً ضد حالات الزواج المبكر ويطبق عقوبات تلغي وجود حالات الزواج المبكر.

أتوق إلى اليوم الذي يقف به الجميع؛ الفتيات، والأمهات، والمُدرسات، والرجال، والمُدرسين والمجتمع بأكمله ليقولوا : #لا_للزواج_المبكر

مدونة
الجمهورية العربية السورية