لماذا أكتب؟

Post
الصورة
كتاب

في الصف الرابع الأساسي، كنت أحب القصص جداً، حتى أنني في بعض النهايات كنت أشتُم ذلك الشاب المخادع الذي أوهم الأميرة أنه سيتزوجها لأنه يحبها فقط لأنه يطمع بحكم مملكة أبيها. وقتها، وعندما أفرغ من القراءة ابدأ بتخيل أحداث باقي القصة. أذكر أنّي كتبت أولى قصصي في ذلك العمر؛ أذكر كم أزعجني يومها أنّ أمي تجاهلت الأحداث الكثيرة التي صنعتها لتركز على أخطائي النحوية والإملائية.

على كلّ حال، لقد كانت المرة الأولى بدافع الملل لا أكثر، بحثاً عن التسلية فقط ليس بدافع حجر منزلي ثقيل الدم متلبد المشاعر. وكوني أصبحت، على غير عادني، أخاف التحدث مع الحلاق للإطمئنان على سلامته.

امتلكت في الصف الثامن كتابا، كان الأضخم في منزلنا بلا منازع، لقد كان ديوان المتنبي وقد وقعت في غرام هذه الديوان والأبطال الذين صورهم بأشعاره لدرجة أنّني أعدت قراءته في الأعوام التالية 3 مرات. وقتها أذكر أنى كتبت رسالة بليغة لمن جمع هذا الديوان، أشيد بحسن البلاغة عنده وانتقائه للكلام فقط لأحكي له كيف ينقذني هذا الديوان من الشعور بالوحدة أو الملل، خاصةً أن دائرة صداقاتي للأصدقاء كانت ضيّقة وقتها.. ولكن هذا لا يهمّ الآن.

فقدت منذ مدة هذا الديوان وبداخله الرسالة التي لم تُرسل بالطبع. مرّ -إلى الآن- أكثر من أحد عشرة سنة مذ كتبت قصتي الأولى. كان إيماني خلالها بفعل الكتابة، أمراً سريع التغير ويصبح مملّاً مع الوقت أو من وقت إلى آخر.

منتصف العام 2017 بعد شهر مايو تحديدا، أمضيت ما يقارب أربعة أشهر كاملة دون مغادرة غرفتي. لا أدري حتى الآن إن كان ذاك الانعزال اختيارياً أم إجبارياً في ذلك الحين. ولا أذكر تماماً كيف كنت أقضي وقتي كلّ تلك المدة. ما أذكره هو أنّني كنت أكتب بكثافة وبشكل يومي، دون التفكير بهدف محدد وإنّما لتجنب النكد الصباحي، والحديث المعتاد لجيراننا السمجين الجدد. كانت بالغالب بهدف الوصول إلى المتعة التي تحضر بمجرد إنهاء كتابة آخر سطر، والذي كان يعيد لي السيطرة على نفسي مجدداً دون أن أضطر لافتعال معارك أكثر دموية من داحس والغبراء بمحيط منزلنا، وكافراً بكل التلقين الذي امتلأنا به حول الغايات والفوائد والأهداف. وكانت هذه المتعة تُشعرني بسخافة وهامشية كل الأسئلة الوجودية التي تبدو شديدة التعقيد أحياناً.

في يوم ما، مثل هذه اللحظة، أعتقد أننا نكتب وأنني سأكتب، لنواجه مخاوفنا -أو أقلّه- كي نتشاركها. كي يغدو العالم أوسع، ولكن أكثر ألفة وأقلّ وحشة. كي ندرك أن صراعاتنا وقلقنا ومخاوفنا جماعية ولا ننتظر وباءاً قاتلاً ليثبت لنا هذه الحقيقة وإن كنا مميزين وفريدين. نحن عندما نقرأ، وعندما نكتب، لسنا وحيدين تماماً، وإن كنّا كذلك، وأن البشر يرون أنفسهم من خلال البشر، يرون فشلهم، نجاحهم، حزنهم، غضبهم، خوفهم، وطمأنينتهم كلها مشاعر نحاول كِبراً إثبات أنها مشاعر خاصة بنا كأفراد، منكرين بكل قوة أنها مشاعر جماعية مرتبطة بأي انسان يهمنا أمره وتحيطه قلوبنا وأننا خلق ضعيف يتمسك بأسباب فرحه خوفاً من الانسياق لأسباب حزنه.

أذكر لكم، أنني وأثناء ترتيبي للكتب في مكتبتي وجدت الديوان. بملل شديد قلّبت الكتاب لأتأكد أنّي ما زلت أحفظ مواقع وصفحات أجزائي المفضلة من القصائد التي يحتويها الكتاب. وبالصدفة وجدت الرسالة التي كتبتها ما زالت مطوية بداخل الكتاب. قرأتها وأنا أضحك على ركاكة المعاني التي كتبتها محاولاً مجارات المتنبي بشعره في وقتها.. قهقهت كالمجنون، مشفقاً على سذاجة ذلك الطفل ذي السنوات العشرة.

أظن أن للجلوس بالمنزل لوقت طويل له مفعولٌ إيجابي في النهاية.

قصص
دولة فلسطين