ما وراءَ كواليسي (الجزء الثَّاني)

Post
الصورة
8 فرحات مختلفة أيضاً
كُلَّ فرح في هذهِ الصُّورِ الثَّماني مُختلِفةٌ عَن الأُخرى, أَكثرُ وَعياً و قُوَّةً مِن سَابِقَتِها.

قد تَعجَزُ في بعضِ الأحيان عَن كِتابَةِ أفكارٍ و مشاعِرَ مُرتبطَةٍ بذكرياتَ سيّئة، قد تُخيفُكَ فِكرةُ أَنَّ هذهِ المشاعِرَ ستتجسَّدُ أمامَكَ على هيئةِ كَلمات، و لَكِن قد يكونُ هذا سَبيلاً لتنظيمِ الفَوضى الّتي تَزدادُ في باطن عَقلِكَ يَوماً بعدَ يوم.

ولذلكَ سأكتُبُ ما أستطَعتُ تنظيمَهُ مِن أفكار.

كانت الأشهُرُ السِّتَةُ الأُولى من تلكَ السَّنةِ كالكابوس، ضَغطٌ دِراسيٌّ خَياليّ، ساعاتُ نومٍ لا تتجاوزُ الثّلاث أو الأَربَع، مشاكلٌ و خسارةُ أصدقاءَ كُثُر، حياةٌ اجتماعيّةٌ شِبهُ معدومة، يأسٌ و تَشَاؤم، مشاكِلُ صحيّةٌ، كَمٌ هائلٌ من المشاعِرِ المُرعبَةِ الّتي -وإِن هربتُ مِنها- كانَت تُعاوِدُ الظّهورَ في أحلامي حتّى كِدتُ أكرهُ النّوم. في رأسيَ تفاصيلُ كثيرةٌ عن ذلكَ الكابوس ولكن، إِن صَحَّ التعبيرُ، فإنَّ تجسيدَها سيحتاجُ بَحراً مِن المُدوّناتِ، لكنّي سأكتَفي بهذا القَدرِ.

في صَباحِ 30 من شهر حُزيران، صَباحِ آخِرِ امتحان، قرّرتُ أَن أتخلَّصَ مِن كُلِّ تَفصيلةٍ تتعلَّقُ بهذا الكابوس و أحدُ هذهِ التَّفاصيلِ كان شَعري، الّذي كانَ صديقيَ الصَّدوق في الأَشهُرِ الثّمان الماضية ولكِن حان َوقتُ الوداعِ لبدايَةٍ جديدة. 

نَعَم حلقتُهُ تَماماً و لَم أتردَد لحظةً في هذهِ الخُطوةِ و كانَ أجملَ شُعورٍ يُمكِنُ أَن يَتملَّكَني.

بِدايةٌ جديدة، تفاصيلُ جديدة والبَحثُ جارٍ عَن الإيجابية.
 

لماذا أَروي قِصَّتي ؟

خِلالَ الأَربَعِ سَنواتٍ الماضية الّتي رَويتُها هُنا، لم أستطيعُ إِخفاءَ الجانِبِ السَّيءِ الّذي اكتشفتُهُ عِند كثيرٍ مِن الأَشخاصِ و مِنهُم مَن كانَ مُقرَّباً لي، في كُلِّ تحوُّلٍ جَذريٍّ في شَكلي كُنتَ أَتعرَّضُ لكثير مِن الكلامِ المُؤذ ترافقها نَظراتِ الاستغراب والشّفقةِ وبشكلٍ خاص عِندما تجرَّأتُ على الحِلاقَةِ في مُجتمَعٍ يختزل الأُنوثَةَ في الشَّعرِ الطَّويل و غَيرُ ذلكَ من هُراء، في ظِلِّ بيئَةٍ لا تُفكِّرُ إِلَّا في كَلامِ الآخرينَ وماذا سَيقولونَ إِذا رَأوني بهذا الشَّكلِ، بين أُناسٍ لا يستعملونَ عُقولَهُم قَبلَ أَن يَفتحُوا أَفواهَهُم و يوجِهُوا كلاماً جَارِحاً لفتاةٍ لا يعرفونَ ما قد مرَّت بِه.

" شو فقع براسك ؟"، "معك هداك المرض يا لطيف ؟"، "ليش قارعا حالك هيك عاجبك هالمنظر يعني؟"، "ما لابقلك متبشّعة حرام عليكي كان شعرك ماحلاه" هذا غَيرُ نظراتِ الاستنكارِ و النُّفورِ الواضحِ على وجهِ كَثيرٍ مِمَّن قابلونِي…

فِي السَّنواتِ السَّابقة كانَت تِلكَ المرَّةُ الأُولى الّتي أُواجِهُ فيها كَلاماً كَهذا يتَركَ أَثراً مُزعِجاً في داخِلي لَكِنّي الآنَ لَا آبَه لتُرَّهاتِهِم ولا لآرائهِم، أَهلي في المرتبَةِ الأُولى و قد تقبَّلوا هذا وتَفهَّموا مَوقِفي بعدَ نِقاشٍ مَنطقيٍّ و صَريح وضَّحتُ فيهِ أسبابي، أمَّا لبقيَّةِ النَّاس...هذهِ أنا، هذهِ فرح ولستُ مُضطَرّة أَن أُفسِّرَ أو أَشرحَ قِصَّتي لكُلِّ عابرٍ لحتّى أُبَرِرَ ما فَعلتُهُ بشَعريَ الّذي هو مِلكي أَنا و لَم أُؤذي أَيَّ كَائِنٍ حَيّ على وجهِ الأرضِ و لا حَتَّى نَفسي.

مَن مِنَّا لا يَمُرُّ بفتراتٍ عَصيبة، يُجرَحُ و يتغيَّرُ و يَختبِرُ مَشاعرَ مِن المُمكِنِ أَن تَكونَ أَكبرَ مِنه؟ و لِكُلٍّ مِنَّا أَيضاً طَريقَةٌ في تفريغِ ما يُتعِبُ روحَهُ و طَريقَتي كانَت شَعري...فمَن أَنتَ لتحكُمَ عَليَّ بهذه البَساطة ؟

أَروي قِصَّتي لأقولَ لكُلِّ شَخصٍ يريد أَن يُعبِّرَ عَمَّا بِداخِلِهِ بطرق لا تُؤذيه هو أَو أَيِّ كائِنٍ حَيّ آخر لَكِنه يَخافُ مِنَ المُجتمع، ومِن كلامِ الآخرين، ونَظراتِهِم وعُقولِهِم المُغلقة، كُن أَنتَ التَّغييرَ الّذي تُريدُ أَن تَراهُ في المُجتمع… ابدَأ مِن نَفسِكَ و كُن قَويَّاً و خُض هذا التَّحدي فَهُنالكَ كُثُرٌ يَنتظرونَ مَن يقومُ بالخُطوةِ الأُولى حَتَّى يَجرؤوا على الإِكمالِ مِن بَعدِه.

مَن أَنا ؟ اسأل نَفسكَ هذا السُّؤال، واجِه ما يُخيفُكَ وافعَل ما يُسعدُكَ و يريحُ نَفسكَ طالَما أَنَّكَ لا تَجعلُ هذا الكَوكبَ أَسوأَ ممَّا هو عَليه.

 

مدونة
الجمهورية العربية السورية