مدرسة المخيم

Like132
Post
الصورة
مدرسة تابعة لوكالة الغوث

ابّان عام 1948 نزحت جدتي ومعها من نزح من فلسطين للأردن وتُوّجت بعدها ببطاقة التموين ومسمى لاجئ الذي ما زلنا نتوارثه كعائلة إلى يومنا هذا...

بعد ١٠ سنوات من اللجوء وتحول الخيم التي كانت تسكنها جدتي وجدي وجيرانهم لبيوت اسبستية ولدت أمي في مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينين. في هذا الوقت باشرت وكالة الغوث "الاونروا" عملها في الأراضي الفلسطينية والمخيمات ولربما التي كانت المنقذ لأمثال أمي من الفضوليين محبّي المعرفة، والتي ورّثتها لنا فيما بعد لكون التعليم في ذلك الوقت كان مقتصراً على الذكور لتخوف الأهالي من المناطق البعيدة فلا يمكنهم المجازفة ببناتهم وإرسالهم لتلك المناطق التي توجد بها المدراس كما تقول أمي. تروي أمي القصة وتبتسم يوم زفت جدتي لها خبر تسجيلها مع أختين لها حين كانت تبلغ من العمر ١٠ سنوات وحياة ذات ال٧ سنوات وعبير ذات ال٦ سنوات.. 

تعلمت أمي الإعراب وأبيات أبي نواس وسحر بيان المتنبي، وتعلمت بعض الإنجليزية كنوع من الفضول لتعرف ما يثرثر الأغراب داخل المدرسة. تروي أمي القصة وأنا جالس مع إخوتي الستة  بجوار المدفأة وهي منتشية من الضحك. حكت لنا وقتها عن عمل جدي كحارس لإحدى المدارس في مكان بعيد، حيث أن راتبه لم يكن يكفي لتشتري الدفاتر اللازمة للدراسة كحال من يماثلها من إخوتها. فكانت مضطرة لإستخدام نفس الدفاتر كل سنة دراسية بمحي ما كتب عليها من السنين السابقة، وكانت تتعمد وقتها أن تكتب بأقلام  الرصاص وتتجنب تصحيح المعلمات على الدفاتر قدر الإمكان حتى يتسنى لها استخدام الصفحات مرة أخرى ولا تضطر لتمزيقها خشية اكتشاف أمرها وتصير أضحوكة بين زملائها بالفصل.

على الرغم من انها استطاعت بهذه السنوات أن تكون متفوقة وأن تحصل على ٥ دفاتر جديدة كجائزة عن مسابقة قراءة وحفظ أبيات من الشعر، كما وقامت بالاشتراك بنادي الأشغال اليدوية لإصلاح حذاءها، إلا أنه لم يتسنى لأمي الدراسة سوى أربع سنوات، وقد كانت كفيلة لتعليمها القراءة والكتابة بالعربية وبعض الإنجليزية كون جدي قد زوجها بعمر ال١٤ سنة نتيجة الفقر الذي أحاط بالعائلة وعدم قدرته على تحمل نفقاتها ونفقات إخوتها.

كانت تروي لنا هذه القصص ومعها أخرى كثيرة عن نباهتها وكمية الكتب الأدبية وهي تنظر لنا كنوع من الخيلاء والكبر وهي تضحك متباهية بما أحرزناه نحن أولادها من إنجازات ومعارف وعلوم باعتبارها أننا -أي أبناءها- مشروعها الاستثماري الناجح. كلنا لدينا القدرة على الكلام بجزالة اللفظ والمعنى وكلنا نمتلك معارف عديدة كانت هي تعلمنا بداياتها.

على الرغم مما هي تراه إنجازات عظيمة تهفو لها الألباب إلا أني حزنت. فأمي مُنعت من شغف كانت هي الأقرب له من غيرها في ذلك الوقت فمسمى حامل شهادة ثانوية عامة بالنسبة لأمي بزمانها كان كبيراً جداً، ولكنها حُرمت منه لسبب خارج عن إرادتها. فكيف لو استطاعت إكمال تعليمها المدرسي على الأقل لكانت صنعت شيئاً عظيماً بخلاف عملها كربّة بيت، تهتم فقط بموضوع فَطورنا وكيّ ملابسنا.

أما الآن، فإذا نظرنا جيداً للخارج، أي خارج صورة أمي ومخيم الوحدات والمدفأة، سنجد أنها ليست الوحيدة، بل هناك آلاف منها في المنطقة. إذا صح القول آلاف من الأحلام كأحلام أمي تجهض في مكانها لسبب قاهر، ما زالت تلك الأحلام تنتظر - ولا أبالغ إن قلت- العديد من طلاب المدراس في العالم مهددين بترك العملية التعليمة سواء بالتزويج أو حتى بالعمل لسد الجوع.

حسناً، لقد كذبت حين قلت أن الصورة ما زالت تكبر بالخارج، هم كثر، مع ازدياد حالات النزوح من مواطن السكن وقلة الموارد والخوف من المجهول أجهضت الكثير من هذه الأحلام. لا أدري إن أصبحت الأحلام بهذه البلاد دون معنى أو أن الكثير من المعاني والمصطلحات الأخرى أبعدتها عن الصورة، هم كثر ومشكلتهم كبيرة، ولا أحسب أمي مستثناة منهم.

 

قصص
دولة فلسطين