عنبة الدار

Like135
Post
الصورة
عنب

كان لدينا في بيتنا القديم شجرة عنب تغطي مساحة الحاكورة كاملة.. بل وتمتد إلى جدران بيوت الجيران وأيادي أولاد الشارع وتطعم الحارة كلها عنباً طوال أيام الصيفية ويزيد.. تحتها تعلّمتُ أول مهارات الكسل والإسترخاء والنظر إلى السماء من خلال شقوق الأوراق.. التأمّل في خلق الله الضخم جداً على عقلٍ صغيرٍ كعقلي، تأكّدت أن صوتي ليس عذباً "جداً" ولن أصير فناناً عالمياً متوقعاً لهذا السبب بل أنه – للأسف الشديد - لا يصلح للإستخدام البشريّ على الأغلب.. حاولت حرق الذباب بالعدسة المكّبرة ونجحت نجاحاً باهراً.. قتلت النمل بسيول مياه "بربيش" الزرع وفصلت قرون استشعار الدبابير عن رؤوسها بمهارة جراح يحمل ندباً غائراً في وجهه ويدخن بشراهة.. اختبئت تحت ظلالها الوارفة من غضب والدي علينا الذي كان يتحوّل لتصرّفات مؤذية أحياناً او حتى غالبا، هربتُ من محاولات أخي لتدريسي صفّاً جديداً من جداول الضرب.. بدأت أخوض غمار فترة المراهقة التي كانت نانسي عجرم  ووائل كفوري  وفضل شاكر رفاق السوء فيها، كان لا مانع عندي أن أقرأ أقاصيص الأطفال وأدخل بيوت ملوك الجان مع كاظم،  بغية أن أثير إعجاب فتاةٍ حسناء عيونها تشبه عيون عليا "الحلوين"  وجسدها قطعة من شهابٍ هوى إلى ضيعة "تنوّرين" فأنبت شفاهها.. 

 

عشت حياتي كاملة وأنا آكل العنب سكراناً غائباً عن الوعي.. أخوض مراحل الشكّ واليقين.. الكفر والإيمان المتواترين مع غسّان وآجاثا كريستي وطه حسين وسميرة عزام وسليمان العسكري وأحمد خالد توفيق.. كذب بعض رجال الدين  والسياسين الذين يملكون كروشاً استغرب حجمها.. فجور المتحفظين  ومشاكلهم مع الملابس التي ترتديها أختي ، مراحل تحولي كاملة من طفلٍ صغير يخاف من الظلام وأولاد العائلات المتخصصة بالمشاكسات والمشاكل، إلى طفلٍ كبير يخشى أن لا يحبه أحد أو أن يرى في لحظةٍ في عيون والده فقر الحال وضعف الحاجة.. 

 

من المؤكد أن شجرة العنب ظلّت تكبر.. طوال اثنتي عشر سنة تكبر وأكبر أنا معها.. أترك دوريّاً ما كنت أؤمن به في إحدى مراحل عمري.. أصير كل ما كنت أنتقده في الناس بشكل سلس وهادئ.. قناعاتي تتبدّل مع تساقط أوراق العنب الصفراء في كانون وتنبت أخرى غضّة وطرية مع نهايات آذار كل سنة ثم أتركها بلا رحمةٍ حين تصبح شاحبة وبالية.. كل الأشياء من حولي تختفي.. حتى جهاز حاسوب والدي الكومباك وويندوز 95.. برنامج العلم والحداثة و  "المناهل".. ماوكلي.. كابتن ماجد.. أبطال الديجيتال.. ريمي..  "سحرني وغلغل فيي".. أمل وكمال وفوكسي .. كلها تتجدد.. إلا جذع "عنبتنا" الذي يزداد سمكاً ورسوخاً في الأرض.. تستمدّ روحها من عملية الإنسلاخ الدورية هذه وأنا بجوارها أشرب شاياً صنعته أمّي لوالدي وسرقته أنا دون أن تنتبه.. 

 

ما حصل أنه في إحدى السنوات توقفت عنبتنا القديمة عن انشاء الأوراق الخضراء الصغيرة.. الأغصان اليانعة بدأت تصبح بنّية وتموت خلال شهور واكتشفنا لاحقاً أنّ الطفيليات والديدان قضت على جذور وجذع الشجرّة المعمرّة.. نخرتها نخراً بحيث لم تعد قادرة على رمي الورق الذابل القديم حتى.. خلال أقلّ من سنة ماتت موتاً لم تشأ فيه إزعاج أحد.. موتاً لم يكن مؤسفاً على الجيران الذين كبروا هم وكبر أولادهم وهم يأكلون من خيرها.. كان خبراً عادياً لا يستحق حتى الشفقة.. من حوالي شهر أيضاً مات ابن جيراننا الذين احتفلنا بزفافه قبل شهرين من وفاته وأقيم بيت عزاءه في نفس البقعة التي أقيمت فيها حفلة عرسه في واحدة من أخبث تصاريف القدر التي شهدتها في حياتي.. 

مهلا.. 

كم من الناس أعرفهم أحياء يرزقون "يظنون أنهم يقولون كلاماً مهماً" ووجوههم وصدورهم منسوخة وميتة وكم من الأموات أعرفهم ماتوا وقبورهم وذكراهم تنبت "اختلافاً وتميزاً " وورداً وياسمين أجهل مصدره...على الأغلب هم مصدره 

 

قصص
دولة فلسطين