تحت تأثير المخدّر

Like115
Post
الصورة
وتبقى بقوّتك تحت تأثير المخدّر حتى يخرج من جسدك بشكل مؤلم مارّاً بصدرك وأكتافك وحلقك وقلبك ويديك وروحك وعينيك وعقلك..

خالفتُ ما يحدث عادةً.. فمررتُ بعاصفة ما قبل الهدوء، لكنني خرجتُ على قيد الحياة! الحمد لله.

مضتْ ساعة على خروجي وقيل أنني كنتُ أسمع وأرى وأتكلّم لكنّني لا أذكر شيئاً من هذا.. قلت لهم: لم تكن تلك أنا!

هذا تأثير المخدّر.

جسدٌ ميّت بروح باردة وعقلٌ مشوّش..

السّاعة التّاسعة والنّصف صباحاً.. عدتُ للمنزل وكأنني كنتُ مسافرة لأكثر من عامين!

كان المنزل دافئاً جداً وضوء الصّباح فيه لذيذ لكنني لم أستطع استغلاله للكتابة أو القراءة فأنا لا أستطيع الجلوس كما كنتُ أفعل من قبل.

يجتاحك العجز الجسدي ليقف إلى جانب العجز الفكري والقلبي، فتكون عاجزاً عن الحراك وعن التفكير والشّعور.. لا تستطيع أن تفعل أيّ شيء حيال هذا الأمر، الأمر معقّد أكثر مما تظنون؛ وأحياناً حتى الكلام تعجز عنه وعن فهمه أيضاً. 

لكن لا بأس، يُقال أن هذا الوقت سيمضي.. حسناً لندعه يمضي. 

حين كنتُ هناك، حيث الجسد الميّت والرّوح باردة، كان الشّيء الوحيد المُطمئن هو وجود أمّي بقربي ليلاً رغم علمي بأنها متعبة.

بالمناسبة.. أمّي هي أعظم من وقف بقربي في كل الأوقات.. في المرض والتّعب والحزن والفرح والجنون والغضب والسّعادة.. أمّي هي كل أشخاصي وكل عالَمي، إضافةً إلى بعض الأصدقاء الأوفياء الذين قاموا بتخفيف الآلام الروحية عني، ووهبوني وقتهم لأصبح في حالة جيدة.

.........

حين تكون متعباً جسدياً ستتألّم آلاماً كثيرة، وستفقد شهيّتك، وتتوجّع من أبسط مجهود تقوم به حتى ولو حرّكت يدك للأعلى، أو حتى قمت بتمشيط شعرك أو قصصت أظافرك، لكنك ستأخذ مسكّناً يساعدك على الاسترخاء والنوم وتسْكِين الآلام جميعها.

بينما حين تتعب نفسيّاً.. ستفقد شهيّتك، وتفقد أحلامك وشغفك، سيتخدّر عقلك عن التّفكير أو عن متابعة أعمالك أو القيام بهواياتك التي تحبّها.. ستتألّم من أيّ كلمة توجّه لك، ستبكي من أيّ شعور يجتاحك.. ستكون ضعيفاً هزيلاً لا تقوى على الحياة.. ستموت الألوان في عينيك وتنطفئ شرارة المتابعة..  هل يوجد مسكّنات لهذه الآلام؟

حين تتذكّر خيباتك من أقرب الأشخاص لك؟ من أصدقائك؟ من أحلامك التي ضلّت عنك وفرّت منك؟

حين تكتشف أن كلّ الذي عشته كان وهماً وكذباً! كيف يمكنهم الافتراء على المشاعر هكذا واللعب بها؟ كيف يمكنهم نسيان العيون التي أحبّت النظر إليهم والقلب الذي اعتاد النّبض لأجلهم! 

تعود إليك التّجارب وتتكرّر بلا استئذان منك حتّى.. وبلا مبالاة بحالك أو هل أنت مستعدّ للمحاربة أم لم تتجهّز بعتادك بعد؟ 

لماذا تعود كلّ تلك الأمور؟ 

إنّ تكرار التّجارب السّيئة أسوأ ما قد يحصل مع أيّ إنسان، أقسم لكم! التّفكير بأسئلة لا جواب لها، وإن وُجِدَ الجواب لا تستطيع الحصول عليه.. الآلام والضياع والشّتات.

لماذا أنا؟

لماذا يجب عليّ أن أعيش مرّةً أخرى الأمور التي دمّرتني في السابق؟ أن أخوض معارك ليس لي بها إلا الرايات البيضاء؟ 

ولكن في مكان مختلف وزمان مختلف وأشخاص مختلفين؟ 

تعود دوّامة الأسئلة والمشاعر التي جاهدت.َ طويلاً للهروب منها.. وكنتَ على جهادٍ مع النّسيان والمضيّ لسنوات لإخراجها من عقلك ومن قلبك.

ولكن؛ بعد كل هذا.. لا يمكنني حقاً إنكار القوّة التي تأتي لتجاوز كل شيء!

شعورٌ عجيب واستغراب كبير بمدى الجرأة على تخطّي هذه التجارب بأقلّ الخسائر الممكنة.. جسديةً كانت أم نفسيّة.

هو ذلك الهدوء الذي أتى بعد عاصفة كبيرة من الخوف والضّعف والبكاء والتفكير السّيء، عاصفة رَعَدَتْ بكل أجزاء النّفس والجسد فخدّرت كل ما أتى في طريقها.. 

فتستسلم للتّخدير بكل ما أوتيت من استسلام، وتعيش هذا الهدوء الذي تخاف منه.. وهل الهدوء مخيف؟ نعم مخيف حين يكون على هيئة صمت وعجز وتخدير.

وتبقى بقوّتك تحت تأثير المخدّر حتى يخرج من جسدك بشكل مؤلم مارّاً بصدرك وأكتافك وحلقك وقلبك ويديك وروحك وعينيك وعقلك.. لتعود مقاوماً ومجاهداً لنسيان ما حصل والبدء من جديد. آملاً أن تعيش سحر البدايات مجدداً، بروح جديدة، بشرارة جديدة، مع الأصدقاء الذين يكترثون حقاً لسعادتك.. 

تحتسي معهم كوباً من السعادة، ووجبة أحاديث سعيدة، وجنوناً على هيئة ضحكات عالية..

مدونة
الجمهورية العربية السورية