وإنّ التآلف لِمَن استطاع إليه سبيلاً

Like251
Post
الصورة
بائع الشارع

كُنتُ في أواخر الابتدائية.. مُنذ ألف عامٍ تقريباً.. مُحباً لِشَطائر الفلافل بالفول الذي يُعده المطعم الشّعبي المُتهالك في شارع مدرستنا. وكان صاحبُهُ كهلاً طاعناً جداً في السّن، تَشعر أنّه سَيَموت في أيّ لحظة وهو يُحرك أقراص الفلافل بمصفاة الزّيت في الطاجن الكبير. لكنّه، لِحُسن حظّي، وفي عدد المرّات الكثيرة جداً التي توقفْتُ عِنده فيها لأجلب الشَطائر، لَمْ يُصادف أن مات..

كانت تَشغَفُني اللحظة التي يُخرِج فيها أقراص الفلافل ويَشرع بوضعها في الشَطائر بيديه العاريتين فوق ملعقة الفول بالليمون التي يُضيفها إلى الخبز ثم يُمسك بطرف يده الأخرى قطعة مُخلّل تائهة في عُبوة زجاجية قريبة منه ويضيفها للخلطة السحرية الرهيبة بأبخرتها المُتصاعدة.. كان يمارس هذا الطقس مع كل شطيرة يقوم بإعدادها.. أَلحظُه وهو مُنهمك في عمله وعلى وجهه علامات البرود واللامبالاة.. لا أذكر أنّه في مرّة ابتسم لي أو بادر تجاهي بأي جملة غير سؤالي عن طلبي.. ومع ذلك كُنتُ أُقدّس هذه العلاقة الإنسانية الكاملة المبنية على الغمغمات والهمهمات وإسعاد الآخر.. طوال ثلاث سنوات لَمْ يَحصُل أَن تحدّثنا.. رُبّما للفارق العمري الهائل.. أو ربما لاعتبارات أُخرى.. لكن في النهاية هذا ما حصل..

لم تنتهِ الحياة بالنّسبة لي عندما أغلق محلّه.. استطعت بطريقة ما النّجاة.. أعتقد أنّني تأقلمت.. أو اقتنعت أنّ الحياة في النهاية لا تستجيب لكل رغباتك الطفولية العميقة.. أحياناً يجب أن تنضج وتتجاوز مشاكلك التي تقصم ظهرك.. رأيته بعدها بسنوات صدفة في الشارع.. كان يَدفع أمامه عربة "تُرمس وفول نابت" مزيّناً إيّاها بِباقات البقدونس حول الحبات الصفراء والسوداء ورغم جمال اللوحة التي رأيتُها في عربته لم يكن سعيداً ووجهه كان خالٍ أيضاً من الملامح.. أوقفته بكلّ براءة.. نظر إليّ بحيادية.. اعطيته النقود وأعطاني كوز التُّرمس ورحل.. ظللت أنظر إليه حتى اختفى في الأُفق.. لم أَرَه بعدها.. لم أسأله عن حاله.. وظللت كلما رأيت أقراص الفلافل أتذكره وأتذكر علاقتنا الروحانية التي صرنا بعدها غرباء، لا نملك حتّى ان نوجه لبعضنا سؤالاً شخصياً.. أو حتى اجتماعياً.. او أيّ شئٍ آخر غير الألم والذكريات.

نحن في حياة بعضنا، مهما كُنّا قريبين، غُرباء جداً.. نقضي حياتنا مع الناس ولكننا نعيش وحدنا.. تصدم أصابعنا بطرف الطاولات وحدنا.. نجوع في الليل وحدنا ونأكل كثيراً جداً وقتها وحدنا ونواسي أنفسنا عند كل فشل جديد بذكرى نجاحاتنا الأثيرة وحدنا.. لا نملك سيطرة مطلقة على أقرب المقربين إلينا.. نعيش لحظاتنا مؤمنين أننا لا نستطيع أن ندفعهم ليبذلوا مجهوداً إضافياً في فهمنا.. يكفي وجودهم وصحن حُمّص وصحن فول ووحدنا.

 

بقلم Osama Naim

 

مدونة
دولة فلسطين