ويلات الحرب

Like125
Post
الصورة
الدمار

رأيت كل شيء، رأيت أننا جئنا إلى هنا ومشينا بين الحجارة، رأيت أكوام الرصاص وفتات الحجر وحتى جذع الشجرة المقطوع بقسوة شاهدته، كانت روحي آنذاك ساهية وأكوام التراب تعيق حركتي، وتجعلني أتعثر في المشي، لم أعرف منزلنا، رغم أنه كان مازال صامداً وربما لم يتغير به شيء، سوى حشائش وبقايا ويلات خلفتها الحرب، لم يكن مثل آخر مرة رأيته فيها، كان حزيناً وربما وحيداً، رأيت أبوابه تبكي ونوافذه تأبى أن تفتح.

لم يكن كما عهدته منفرجاً، هذه المرة كان على الأغلب قد فارق الحياة.. كباقي المنازل في ضيعتنا.

أما أنا فبدأت بتجميع شظايا الموت. يدان صغيرتان على حافة الرصيف، ووجه أنثوي براق غائب الملامح مغطى بعبق الدماء وحفنة تراب، ودمية في أقصى الشارع غائبة عن الوعي، كانت لطفلة تعبر الشارع قبل سقوط تلك القذيفة التي محت أثرها وخلفت خلفها تلك الدمية.

وكان هناك حذاء معتنى به جيداً، أظن أن صاحبه كان يخبئه ليرتديه في العيد القادم، رأيت ذلك من انعكاس ظله، وبقايا قلب صامت بلا نبض، وصورة عائلية ممزقة لم يبق منها إلا وجه، كومتها على حافة الذكريات، حاولت مسحها ببعض من الحب ضممتها وكأن لي أثر في تلك البقايا، أو ربما كنت كتلك المدينة الكبيرة الضخمة التي حضنتها كل ذلك العمر إلى أن دمرتها بضع رصاصات حجمها أصغر من الكف.

تفتعل الحرب بنا كل شيء وتأخذ منا كل شيء، وتدمر حتى قلوبنا، لتجعل من الحياة لا شيء.

لأن مآسي النكبات تأتي على دفعات متتالية بعد انتهاء الحرب، لكن يقال بعد برهة من الزمن، بعد تلاشي حطام الحرب، ستعلو أصواتهم محاولة الوصول إلى السماء، فينزوي الألم وتسدل ستائر القهر ويكون هنالك مجيب وحيد هو الله، فتتغير الرؤى، وتبدأ الحياة التائهة بمعرفة العدالة الإلهية، وتتحول كل السبل لمسار يقطعه الجميع نحو الحياة في المدينة الفاضلة، جميع الذين خسروا في الحرب من أرواح وسلبت منهم الحياة وتجمعت في أحشائهم أبغض أنواع الذل والقهر فازوا في النهاية، هنالك عندما يكون الله الحاكم الأول والأخير في كل شيء، حتماً ستتدحرج الأحزان من روح هذه المدينة وسيعم السلام في سكون نبضهم الذي لم يعرف الصمت طيلة أيام الحرب.

بقلم: فاطمة خلف

مدونة
الجمهورية العربية السورية