بائع الصناديق الصغير

Like1976
Post
الصورة
صورة وصفية

كنت أمشي في سوق شعبيّ في يوم من الأيام و أتبضع احتياجاتي، كان السوق مزدحم بالبضائع والناس لكن ما استوقفني قليلاً هو عبارة: "تشتري مني الصندوق عمّو؟" التفتُّ و إذا بصبيّ صغير لم يتجاوز عمره التاسعة ربما، ليسأل البائع عن سعر الصندوق ويجاوبه الصغير :" 50 ليرة"

ذهب الصغير في حال سبيله، ولكني عقدت العزم في نفسي أن أتحدث معه قليلاً لأسأله عن سبب حاجته لبيع الصناديق، ظللت قرابة النصف ساعة أبحث عنه، وعندما وجدته كان مسمّر العينين نحو شاشة الهاتف الصغيرة التي سلبت منه عقله، ليدور بيننا الحوار التالي:

  • " ما اسمك؟ "
  • " محمد "
  • " هل تبيع الصناديق؟"
  • " نعم"
  • " لماذا؟ هل تعمل؟"
  • " نعم.."
  • " لماذا تعمل؟"
  • " لكي أساعد عائلتي"
  • " ومتى تعمل؟ بعد دوام المدرسة؟"
  • " أنا لست طالباً في المدرسة.."
  • " لماذا!"
  • " لا أحبها.."
  • " حسناً، ماذا عن الهاتف المحمول الذي في يدك؟ هل تعرف كيفية استخدامه؟
  • "..."
  • " هل تعرف القراءة والكتابة؟"
  • " لا"
  • " وكيف تقوم باستخدام الهاتف المحمول؟"
  • " استعمله للعب فقط"
  • " هل أنت متأكد أنك لا تحب المدرسة؟"
  • " نعم.. متأكد .."

ظللت شاردة أتأمل الصغير قليلاً، و أنا أشعر بأن أحداً ما قد لقنه تلك الكلمات كي يقولها في حين سأل أحد ما عن تلك الأمور..

- " حسناً، ماذا تريد أن تكون عليه عندما تكبر؟"

- " لا أريد أن أكون شيء أو مثل أحد!"

- " هل أنت متأكد؟ هل تعلم أنه في حال كنت في المدرسة وكبرت، يمكنك أن تصبح أي شيء تتمناه! يمكنك أن تصبح طيّار أو طبيب، عازف أو محامي يدافع عن الجميع.."

- " لكنّي لا أريد أن أكون شيء، و لا أحب المدرسة!"

تأملت الصغير قليلاً و تركته و مضيت في حال سبيلي وأنا أفكر كم "محمد" يوجد في مجتمعنا؟ كم طفل صغير يجبر على ترك الدراسة واللعب كي يعمل في ظروف مثل هذه؟

"محمد" وأمثاله في كل مكان، يظهرون لك في الأسواق ليبيعوا المناديل و الشوكولا وغيرها، وعندما تسألهم عن حالهم، يهربون!

تعددت أسباب عمالة الأطفال، لكن الظروف الاقتصادية ليست مبرر كي يترك الطفل مدرسته و يذهب ليعمل، و بسعرٍ زهيد!

آثار عمالة الأطفال سلبية جداً، فمنها حرمان الطفل من حق التعلم والتأثير السلبي الذي يتعرض له من المجتمع أو من الوالدين جسدياً و نفسياً، التعرض للعنف والاستغلال و التمزق الروحي الذي يعيشه خارجاً في الشارع وداخلاً في بيته.

مسؤولية عمالة الأطفال تقع على عاتق الوالدين أولاً، والمجتمع ثانياً، قلة الوعي و الظروف الاجتماعية والاقتصادية، و ظروف الحرب و غيرها كلها ساعدت على انتشار هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة.

الحل يكمن أولاً في توعية الأهل، ويكمن ثانياً في التشدد على القوانين التي تنص على تسرب الأطفال من المدرسة ومنع من هم تحت سن الخامسة عشر في العمل لأيّ سببٍ كان، لعلّ و عسى لا نراهم إلا آمنين في بيوتهم ومدارسهم، ليحصلوا على حقوقهم كأي طفل آخر.

مدونة
الجمهورية العربية السورية