حافية القدمين

Post
الصورة
اللجوء

صراحة أول مرة وصلنا فيها إلى اسطنبول كنت حافية القدمين، كبطلة نزار قبّاني التي غناها كاظم وهو يخطب دلالها وهي ترقصُ أمامه، ولكن الفارق هنا أنني لم أكن أرقص ولم يكن في رجلي خلخال ذهبيّ بآلالاف الدولارات كما كان في كاحل تلك البنت في الكليب، الحذاء المهلهل الأسود الذي كان أكبر من قدمي ربطته أمّي بمطّاطة بيضاء من الخلف حتى لا يسقط.. ولكنه سقط في مياه البسفور وأنا أحرك رجليّ أثناء ركوبنا للعبّارة التي نقلتنا من الجهة الشرقية "أوسكودار" ونحن قادمون إلى هنا.. أمي لم تغضب مني أبداً.. وأنا كنت متحفزة ومستعدة لأي انفجارٍ عصبيّ منها بهدوء مبالغٍ فيه.. ولكنها لم تغضب.. صبية كنت.. ألبس عباءة سوداء لا أعرف من أين تحصلنا عليها وشالاً وردياً ووجهاً متعب.. حين وصلنا إلى مدينة السحر في المساء انقبض قلبي، خفت، لم أرى منذ زمنٍ طويل ما يشير إلى الحياة.. أو ما يقرّبني إليها.. رأيت من الشباك شاباً وأمّه يجلسان على كرسيّ قبالة البحر.. لا أعرفُ لماذا تخيلتُ أن هذا المشهد المفعم بالراحة التي أحتاجها أكثر من أيٍ أحد آخر سيحمل لي ذكرى حنونة قد لا أنساها أبداً .. وجدت أخي اللطيف بعد أن هبطنا من الباص يعود بحذاء جديد يناسب قدمي تماماً.. لا أعرف من أين تحصّل عليه، ولم أسأله.. منذ فترة لم أعد أقيم دلالاتٍ مادية للأشياء.. أقيم للمشاعر قيمةً أكبر.. مُريحٌ هذا الهمّ.. هذا الفقد الذي جعلنا أنا وأمّي وأخي.. ثلاثة فقط.. بعد أن كنا سبع أشخاص يجمعهم بيت أنيق في مدينة البحر "غزة".. وكيف نجوا كمئات الآلاف من الفلسطينيين من جحيم القصف والبراميل المتفجّرة وضيق العيش وفقر الحال على حدود تركيا.. عشنا في "أورفا" على حدود البلاد في البداية حياة لا تطاق.. تعجّ بكثيرٍ من اللاجئين.. كلهم مثلنا.. هربوا من الموت إلى الذلّ.. الأتراك كان لطافاً.. لطافاً فعلاً لدرجة قد لا أكون قادرة على وصفها.. ولكن العيش بعيداً عن  بحر غزة محزنٌ وبائس.. لا شئ يحنو عليك أكثر من تراب الوطن!

 

 

بالطبيعة الخلّابة.. بالبيوت العتيقة.. برائحة التاريخ.. بالفتيات الملاح، بالعيون السوداء الواسعة وبالشعر المنساب بلا هوادة.. بالشبّان الوسماء والذقون المشذّبة وبالملامح الرقيقة.. كل شئٍ كان هادئاً انفجر بغتة.. على فكرة صوتُ الإنفجار ليس متعباً ولكن تبعات الأحداث التي تليه مرعبةٌ أكثر.. يومها احتضنت أختي الصغرى بعد أن سقط البرميل المتفجّر على بيت جيراننا وأنا لا أعرفُ ماذا أفعل.. الغبار الأسود كان خانقاً جداً.. أهرب.. أختبأ.. أبحث عنهم.. عن البقية؟ لم أكن أدرك في تلك اللحظة أنني لا أحتضنها.. بل أحتضن جزءاً منها.. فقط جزءها العلويّ.. بالمناسبة كانت تتقن القراءة.. وحفظت من جداول الضرب لحد جدول الستة.. ذكية كانت.. وبريئة.. أتخيّل أنهم لو تركوها تعيش فستكون إحدى أجمل الـ MODELS الذي نراهم على التلفاز.. من أين أتتني الشجاعة أن ألملم أشلائها وأحاول تجميعها من جديد؟ والله لا أعرف.. دفنوها الرجال بعد أن تأكّدت أن اثتنين من أخوتي ما زالوا تحت الأنقاض وأنّ والدي وجدوه على بعد ثلاثة بيوت.. مع أنه قبل الإنفجار كان يحكي لنا عن أحلامه ومخططاته بعد الحرب.. كيف يريد أن يدرّسني إذا انهيت الثانوية العامة  بنجاح في أفضل الجامعات.. هو يراني أستحق أن أدرس في أفضل الجامعات.. وأنا كنت أحبّ إصراره وعيونه الخضر وهو يتحدث عن ما يحبّه وما يكرهه..

 

ربما كنا أكثر المحظوظين بوجودنا هنا.. في اسطنبول.. لا تتاح لكثيرٍ من اللاجئين أن يجدوا سكناً يأويهم في هذا المكان، ولكنّ أخي الذي قرر أن يصير رجلنا الوحيد الناطق بالعربية في هذه البلاد الغريبة لم يكن ليسمح لنا بأن نتذوق مراراً حياتياً إضافياً قد لا نستطيع بلعه هذه المرة.. العمل في الفنادق ليس عيباً.. تنظيف الغرف والحمامات.. وإتقان القليل من التركية أو العمل في الأجنحة التي تستقبل السياح العرب كان شيئاً يبعثُ الأمل في قلبه بأن الأمور ستتحسن وستغدو أفضل.. يظلّ في ساعات الليل الطويلة يحدّثني عن أحلامه وطموحاته بأن يكون أفضل.. هو يتكلم وأنا مرعوبة.. آخر شخصٍ كان يخبرني عن أحلامه ألقته البراميل المتفجرة على بعد ثلاثة بيوت.. أصّريت أن أشاركه تعبه.. أن نحسن دخلنا.. أنا أيضاً تعلّمت التركية.. جارتنا الأردنية وابنتها اللطيفة أصبحن صديقاتٍ لي ولأمّي.. أخبرنني عن كل خبايا اسطنبول.. صبرن عليّ حتى تعلّمت الحروف.. ومن ثمّ الجمل.. ومن ثم الأحاديث الطويلة.. لم نكن نملك من يكفي من النقود للتسجيل في إحدى مراكز اللغات.. أصلاً من الصعب أن أحبّ التركية بغير الطريقة التي ينطقنها بها هاتان الجميلتان..

 

بدأتُ أعودُ تلك الحسناء العربية من جديد، هالات التعب تحت عيوني تختفي وكأنها لم تخلق.. أخاديد الدمع العميقة في وجهي، شظايا الصواريخ والردم.. كلها اختفت.. بشرتي البيضاء عادت نقية وناصعة من جديد.. الحياة يجب أن تستمرّ.. مضت سنتان على وجودنا هنا.. أصّريت على أخي أن أساعده في العمل.. هو ثار وغضب وخرج الزبد من فمه.. أخبرني بأنّ راتبه سيتحسن وأنني يجب أن أحتضن أمّي ونفسي فقط وهو سيتكفل بكل الأشياء.. ظللت أعيد له الموضوع حتى أخبرني أنهم في الإدارة يبحثون عن موظفات استقبال يُجدن عدداً من اللغات من بينها الإنجليزية طبعاً.. تقدمّت للوظيفة مع عدد هائل من الفتيات.. يبدو أنني فشلت في المقابلة الأولى.. سألوني بعض الأسئلة الصعبة وتأكّدت بأني لم أعجبهم وغادرت.. أحببت الموضوع وبتّ أبحث عن المقابلات من هذا النوع.. المرة التي تليها كنت مستعدة جداً.. تقدمّت.. أخبرتهم عن غزة بتركية طليقة.. هذا كان طلبهم.. أن أتحدث عن أي موضوعٍ أحبّه باللغات التي أجيدها.. بالإنجليزية كان كلامي عن غزة مليئاً بالأمل والانتماء أيضاً.. ولكنّ حين تحدّثت عنها بالعربية وجدت لجنة التحكيم مصدومة.. مشدوهة.. أحدهم قام من وراء المكتب وقدم لي أحد المناديل الورقية.. لم أنتبه بأنّي أبكِ.. وبأن دموعي تغرق وجهي..

 

المهمّ أنني تحصّلت على الوظيفة، شعور الراتب الأول كان جميلاً جداً، دعوتهم جميعاً على العشاء.. أمي وأخي وجارتنا وابنتها.. كانت ليلة سعيدة وانتهت هادئة وسعيدة أيضاً..

 

وأنا عائدة من عملي في عصرية أحد الأيام قررت أن أتمشى وحيدة أمام البسفور، جلستُ على أقرب الكراسي.. ظللتُ أنظرُ إلى المراكب.. إلى الناس.. رأيت هذا المشهد قبل الآن.. تلّفت خلفي فجأة لأتأكّد أنّه لا توجد فتاة ما تنظر إليّ بحسرة من شبّاك أحد السيارات كما فعلت أنا مرّة.. لا يوجد أحد.. فقط أنا.. جلس أحد الشباب بجانبي.. حيّاني بتركية ضعيفة.. عربي فلسطيني أيضاً؟ ضحكت.. رديت التحيّة.. أمامي على المركب الذي يقلّ سياحاً عرب رددّ مسجل الصوت الكبير صوت فيروز الذي يحبّونه الأتراك قبل العرب هنا..اظن

 

قصص
دولة فلسطين