سبعينيّة السّلام

Post
الصورة
بين تفاصيل وجهها آلاف الحكايا.. بعضها يُروى وبعضها سرّ بين التّفصيلة والأخرى.

في بحرها السبعينيّ، غرقت أبجديّات كثيرة..

أعتقد أن بحرها رأى الكثير من الأحداث والمواقف، عاش الكثير من التّجارب.. وذرف العديد من الأمواج المالحة..

بين تفاصيل وجهها آلاف الحكايا.. بعضها يُروى وبعضها سرّ بين التّفصيلة والأخرى.

حسناء سبعينيّة، تجلس على حافّة رصيف دائريّ، تهتزّ على إيقاع أغاني وضعت بمناسبة "يوم السّلام العالميّ"، وتميل برأسها يميناً ويساراً كلّما عَلا صوت الموسيقى وكلّما انخفض..

في تمام السّاعة الرّابعة والنّصف مساءً في عام 2017.. كنت في مهمّة تصويرية لفعاليّة "عبّر عن سلامك" المُقامة في حمص – حيّ الغوطة..

حشود كثيرة تلتفّ حول فرقة موسيقيّة أتت لتعرض موسيقاها أمام أهل المدينة.. مدينة حمص التي عُرفت بمدينة السّلام.

الأطفال يحومون حول السّاحة، الشّباب والشّابات يلتقطون صوراً لبعضهم البعض، أو للفرقة الموسيقيّة، الأصوات كانت كفيلة بأن تجذب سكّان الأحياء الأخرى ليأتوا إلى السّاحة ويشاهدوا ويسمعوا..

"ما تواخذ لون عيوني إذا العين إجت في العين".. على ألحان هذه الأغنية التي تبعث في الروح الحياة.. تراقصت هذه الحسناء في مكانها، على مظهرها وقعدتها تلك، تضع يداً فوق يد، تجاعيد ثيابها تشدّ انتباه المارّة، شاردة البال هي مأخوذة بالألحان تتراقص يمنةً ويسرى..

لم تهتمّ البتّة بما يجري حولها.. لا الأطفال ولا الشّبان كانوا قادرين على لفتها.. أو حتى إيقافها عن تعيش سلامها باهتزازها..

كأنها أخذت قسطاً من الرّاحة من هذه الحياة.. بعيداً عن مطبخها و عن صراخ أحفادها ووحشة منزلها الفارغ من كل صوت ونَفَس..

تنظر عميقاً حيث اللّاشيء يشتّت نظرتها وجلستها تلك، غير مبالية بالسّيارات المارّة، أو حتى بنظرات النّاس التي تحوم حولها.. بملابسها المتّسخة، بحجابها العشوائي، بقعدتها البسيطة..

كل ذلك جذبني لأن أقترب منها وأستأذنها بأن ألتقط لها صورة أحتفظ بها.. أحتفظ بمعنى السّلام الحقيقي.. أحتفظ ببحر عينيها.. بثبات مقلتيها.. بجلادتها وعنفوانها..

أومأت لي برأسها وسمحت لي.

وما جذبني نحوها أكثر، أنه حين سألتُها أنني سألتقط صورةً لها وأعلنت عن موافقتها..

أعدلت من جلوسها وراحت تقوّم حجابها وتجلّس ظهرها..

كيف لي أن أقول لها أنّها جميلة جداً؟

بعد التقاط الصّورة، ذهبتُ إليها لأريها جمالها.. فابتسمت ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى..

وحين انتهت الأنغام، ووقفت الموسيقى، وبدأت هتافات "الشّخصيات الهامّة" بالكلام..

حملت السّبعينية قوّتها وبحرها وتفاصيلها وجمالها ورحلت..

ورحل معها فضولي وأسئلتي.. ولم أراها منذ ذلك اليوم.. وكأنها أخذت السّلام معها..

في يوم السلام هذا أريد أن أؤكد على أهمية التفاصيل في حياتنا.. خاصة تلك التفاصيل التي تعطينا راحة وهناء، تفاصيل بسيطة وصغيرة لكنها مهمة.. مهمة جداً.

وأن من حقّ كل إنسان أن يمارس سلامه وأن يعيش به على طريقته، أن يأخذ حقّه من السّلام والأمان.

مدونة
الجمهورية العربية السورية