سوريّة. ..

Post
الصورة
من أعالي صلنفة المطلة على سهل الغاب

لا أعلم تماماً ما الذي يدفعني للكتابة الآن في هذا الوقت المتأخر وأنا جائعة ومتعبة ومشوشة التفكير، في الواقع هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها مباشرة باستخدام الهاتف الخلوي وضمن مربع النشر. .. علّمني بابا منذ طفولتي أن أحبّ الورق، و أن أعطي نصوصي حقها من الهفوات و التشطيبات و التبديلات 

علّمني أنّ الكتب هي أجمل ديكور يمكن أن نضيفه للمنزل، أذكرها جيداً تلك الغرفة التي باتت بعيدة في عداد القتلى في بيتنا في حلب، غرفته التي غصت جدرانها الأربعة يوماً بكتب لا تعوض بملايين، غرفته التي استوليت عليها و رسمت كل أحلامي فيها 

أحلام طفلة باغتتها الحرب في ال ١٢ من عمرها. ..

أحد تلك الأحلام كان تحرير فلسطين، نعم ! لست أستعرض، كنت مقتنعة تمام الاقتناع أنني سأكبر و أصبح ناشطة ذات نفوذ و متحكمة برأي عام و سأحرر فلسطين 

لكن ما لم يزر خيالي الجامح حينها و لم يكن بحسباني هو أن أمحى أنا، و هذه البقعة من الأرض، و قمحها، و خبزها، و شقائق نعمانها، و شعاراتها، و كل ما ابتلعته من ضحايا و دماء! من خرائط العالم و قواميسه.

لم أكن لأتصور أبناء هذه البلاد أبطالاً لسيناريوهات نشرات الأخبار، أو لمسابقات التصوير الضوئي، أو لسباقات المشاريع الإغاثية

لم يكن لدي أي تكهنٍ بأنَّ مكتبة بابا ستتبعثر وألعابي ستسرق والبيانو الذي رافقني طيلةَ سنواتي سيشيخ في بيت آخر لا أعرفه

لم أكن أعلم أننا سنصبح القضية. ..

و أنّ الناجين منا بأقل الخسائر (مثلي) لن يكون بوسعهم ملاحقة أي حلم، سيتحتم عليهم ملاحقة ما يؤمن لهم حياة كريمة ... واستجماع قواهم للطبطبة على كتف أولئك الذين خسروا كل شيء

غرينادا

مدونة
الجمهورية العربية السورية