روح تنشد السعادة

Post
الصورة
سعادة
لنطلق عنان أحلامنا

أنّى لي أن أنظر للحياة بعين الأمل أم بعين الألم حيث الدموع المتكرّسة والمأساة المتكرّرة ؟ 
أيهما أصدق يا ترى؟ 
في الواقع، الفرق بينهما هو موقع حرف واحد بين الأمل والألم. ولكن كل بشريّ هنا قد اختار ما يناسبه ليجعل الأمل مصدر قوّته و سعادته. أمّا أنا فلم أجد لنفسي موقعا داخل هذا الزّحام. كلّ ما عساني فعله أني أغدو عبدة أرضخ تحت براثن العقل والافكار، التي باتت كالفرس المرتجف، كلّما حاولت مسك لجامه والتّحكم فيه إلاّ وزاد صدى صهيله في داخلي. 
أ فيعقل إذن أن يرضى الإنسان بعد الحرّية التي حارب من أجلها أن يعيد سيناريو العبوديّة ولكن بينه و بين نفسه ؟ 
وما أنا قابعة في إحدى زوايا غرفتي أبحث عن منفذٍ للهروب من كل ما يمكنه أن يدغدغ خيول الأفكار فيعلو صهيلها من جديد، إذ برغبة، شديدة، ملحّة تدعوني للرسم لتجعلني أنتفظ من مكاني. وأسرع في إزاحة غبار التعاسة عني وأجلب بعض الأدوات وأشرع في الرّسم، عسى صدى صوتي يخترق حواجز الصمت المميت و يمسي حرا طليقا دون رقابة أو رقيب. 
« لقد مضى على مسكي للفرشاة ما يقارب ستة اشهر، أنّى لي أن أبدع الآن؟ حسنا.. سأترك الخيال يقودني إلى الحلم الجميل الذي لطالما حاولت البحث عنه بين طيات هذا الواقع المرير» 
ثم انسقت لما جرني له الخيال، فإذا بالفرشاة ترتع داخل الورقة شرقا وغربا، حرّةً طليقةً. وكأنّني لم أتركها سوى بضع ساعات. 
حينذاك، شعرت وكأنّني أريد افتكاك لحظات المتعة والإلهام الصّادق، أين أتملّص من براثن الوهم والعدم. وأفعل مايحلو لي فعلّني بذلك أظفر بالسعادة المرادة دون قيود تجبرني على الامتثال. 
قضّيت ساعة أو ساعتين وأنا بين الفرشاة والورقة وذاك المزيج من الألوان. حقيقةً لم أشعر بالملل قط. وكأنّ تلك الأدوات قد أمست غذاءً روحيا، أو حتى شرابا مخدرا ينسيك هموم الحياة. فتنتشي فرحا وسعادة، تجوب الغرفة رقصا على نغمات موسيقية تزيد لطعم الحياة قليلا من السكّر لتغدو حلوة المذاق خاليةً تمامًا من المرارة. 
أنهيت رسم الصورة أخيرا، فاعتدلت في جلستي وحملت الورقة بين يدي، أتأمّل ملامح الفتاة التي قمت برسمها. فإذا بها صبية في مقتبل العمر حاملة بين ذراعيها باقة من الورود البيض والسّود. وقد إمتلأت أصابعها بدم أحمر قانٍ.
صبية ذات وجه مستدير وكأنّه البدر المكتمل. وجه يحيل إلى وجود بعض من لمسات الحزن. لم أعرف حقيقة مصدره ولكن حين أمعنت النظر فيها اذ بدموع تنهمر من عينيها شلالا متدفقا. وإذ بالكدمات تلتهم جسدها الضئيل المتآكل. لأدرك حينئذ انّي رسمت نفسي. تلك النفس البائسة التعيسة قد طحنها الدهر بأضراسه. ولكن وجهها لم يقلع عن الابتسام قط. وكأنها في الآن ذاته مدمنة على الضحك وسجينة الوهم والعدم. تنهدت بصعوبة ثم طفقت أنظر إلى الأفق حيث اختلطت الألوان لتكوّن ذلك المزيج الرائع من الأرجواني والأزرق الباهت وبعضا من لمسات اللون الوردي الذي زاد المشهد رونقا وجمالا وكأنّ فرشاة السعادة عندي قد غادرت غرفتي وحطت رحالها على سماء الخالق، مستمتعة بتلاعبها بالألوان، لتجعل للقمر موكبا خاصا به. 
ثم تراءت لي الشمس منتصبة وراء قمم الجبال وقد  ارتفع صوت صراخها عنان السماء نحو ذلك الظلام الزاحف إليها، أن ابتعد عني ودعني أستمتع بحلاوة الحياة. ولكن أعتقد أن صمتها قد كبّل صدى صوتها ليجعلها تخضع له مبتعدة في رقّة واحتشام. ما أشبهني بها حقا !!! 
آه!! أ لم تكلّي أيتها النفس في تكرار التعاسة مرة أخرى؟ 
أي كآبة يا إلاهي في هذا الغروب الجميل؟ 
وحين قررت أن أمحوَالدَّمْعَ و رسم عِوَضَهُ ابتسامة بريئة دالة على الرفاهة والسّعادة، اذ بموجة ارتعاش تجتاح جسدي. وضباب يلتهم بؤبؤ عيني. فأضحت الصورة أمامي ضبابية لا أتبين منها شيئا عدى خليط من الألوان لا يجدي نفعا. 
ثم استبد بي ألم كإعصار مميت، ليجعلني اتخبط داخل متاهة ما بين حقيقةٍ ووهم، عقلٍ والجنون، بساطةٍ وتعقيد، كما لو أني شربت هذا المزيج المعكّر ليقودني إلى نعاس شبيه بسبات وقتي. 
اذ بي اقف داخل طريق مظلمة خالية إلاّ من بصيص النور. كلما توغلت داخله إلا راودني دوار و صداع شديد وكلما حاولت الخروج منه إلاّ وسمعت صوتا يردد:« إن الباحث عن السعادة كالباحث عن قطرات الماء داخل صحراء ، كلما تراءت له برك أمامه إلا واتجه نحوها أملا في أن يظفر بما يروي عطشه. ولكن سرعان وتنقلب الصورة لتتحول إلى  مجرد وهم .. مثلك تماما ، فأنت كمن يقوم بحرث في البحر لا يجني سوى الإرهاق والإعياء» 
ثم يختفي ذلك الصوت لأصرخ في وجه ذلك الظلام:« من انت؟ وأين أنا أيها اللعين؟» 
تتزايد قهقهاته معلنة عن فوزه:« أنا شبح الحزن والالم، فكوني عبدتي أصنعْ منك سيدة أيّتها الشّقية. فلقد بتي ضحية وطأة العدم والوهم » 
يرعبني ذلك الصوت حقا، فأستفيق من نومي مرهقة وقد بدأ الظلام يكتسح غرفتي. عندئذ تراودني نوبة من البكاء. فجلست الغرفة القرفصاء مردّدة:« ربـــاه! إن روحي تنشد السعادة »

الصورة
السعادة
لنطلق عنان أحلامنا
مدونة
تونس