ظاهرة التنمر المجتمعيّ، الكلّ ضحايا والجميع متهمون!

Like160
Post
الصورة
رجل يرتدي غطاء ابيض يستر به وجهه و يضع يديه على وجهه تشير الى الضغط و الاستياء و التستر و السكوت المجبر

#مدام_فاتن، ظاهرة اجتماعية شغلت الرأي العام والمجتمع المدنيّ وما أوصله من أصوات إلى الجهات المختصة والمعنية. من منّا لا يعرف من هي المدام فاتن! وكيف نجهلها والفيديوهات شغلت مختلف وسائل التواصل الاجتماعي وأعلنت الحرب عليها.

عندما نرى خطأ وسلوكاً غير محترم، وكلاماً غير موزون وتصرفاً لا يليق بمكان عمل وخدمة مجتمع، ونلحظ عدم الاكتراث بما لهذه التصرفات من عواقب "قول لمين ما بدك"، من الطبيعي أن تكون ردة الفعل غاضبة بل هجومية حتى. لكن هل من الطبيعي أن يصل بنا الأمر إلى التشهير بها وبسمعتها؟ والتطرق إلى مظهرها وهيئتها والاستهزاء والسخرية من شكلها و جسدها! ولم يكتف المجتمع على السوشال ميديا بهذا فقط، بل نشر الهاشتاغات والفيديوهات المركبة وأكال الإهانات والشتائم لها وطالت موظفين كثر غيرها. ولنجعل منها عبرة لمن يعتبر ولا يعتبر ولكل موظف يماطل الشعب ويقفل في وجهه أبواب الخدمة، وإن فتحها فهو بذلك عبدٌ لنا!

انقسمت الآراء إلى من معها ومن ضدها، ولا يحق لمثل أشكالها أن تتكلم مع مُسن أو مع أي مواطن بهذه الطريقة، لكن ماذا بعد؟ هل تتأملون أن يهابكم الموظفون الآن؟ بالطبع لن يفعلوا! وإن حصل ذلك، فهو على مستوى الموظفين (الصغار) ولفترة محدودة جداً. إذا أردتم حقاً تغيير هذا الفساد وأردتم تأديب شخص يجب عليكم إذاً تأديب السلوك من أصله، والتنمر الذي يحصل الآن لا ينتقد سلوكاً أو فعلاً قامت به، ما حدث يعتبر تنمّراً لمجتمع بأكمله على إنسانة أخطأت واعتذرت للإعلام وعلى صفحتها الشخصية في منصات التواصل.

علينا أن نميّز الفرق بين الانتقاد البنّاء للسلوكات والتنمّر المجتمعيّ! ولتغيير أفعال الناس من حولنا، علينا أن نهاجم الفعل الخاطئ بعينه وأن لا يتعدى الأمر أبعد من ذلك. هل السبب في كل هذا التنمر المبالغ به يرجع إلى الكبت المصنّع المجبورين عليه؟ أم هو لأننا نتحمل طوابير الخبز والغاز  و و ...و نحن ساكتون؟ أم لأننا نتحمل غلاء الأسعار و سوء المعيشة ...ونحن في صمت مطبق؟ أم لأننا نتحمل كل تلك العقوبات المفروضة والقرارات الظالمة بحق المواطن ... وما باليد حيلة! أم هي تراكمات الحرب والتشرّد والتدمير والأزمات الاقتصادية والمعيشية والصحية والطبيعية حتى، والتراكمات النفسية التي حلّت بهذا الشعب؟ كل هذا الكبت وذلك الفساد الذي يعمّ ونحن دون حراك... يظهر الآن في مثل هذا الموقف.

تصرّفٌ خاطئ من موظفة كانت تدافع عن صديقها الذي رفض القيام بمهامه، بينما هي تلقت تنمراً مذلّاً، محاولين منه التغيير و الكشف عن الفساد بتوثيقه و نشره معتقدين بهذا التصرف أننا نفعل الصواب ملقنين إياهم درساً! دعونا ننظر إلى هذا الموضوع بكل تجرّد، ونسأل أنفسنا من الضحيّة هنا؟ ومن الظالم؟ من الواضح أن فاتن اليوم هي بموضع الظّالم والمواطن هو الضحية! ولكن ماذا لو تعمقنا أكثر في الموضوع ونظرنا إلى خلفية الحادثة وما وراء تصرف الموظفة؟

نعيش اليوم بحاضر مأساوي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، مرّ عليه ماضٍ جرّدنا من كل القيم، وجعل الأخلاق دنيّة، والنفوس ضعيفة، والكرامة تُنسى مقابل رغيف من خبز ... بعد كل تلك السنين التي مرّت على المواطن (السوري) تجده الآن لا روح ولا نفس ولا صحة ولا عقل ليعي ما سبق أو ما يحدث.. لننظر إذاً أبعد من ذلك ولنتحيد بتفكيرنا ولو قليلاً لنكشف بعضاً من أوراق الاحتمالات:

* ربما، كان تصرّفها نابعٌ من موقف حصل معها على دور الخبز وعاملها الموظف بالمثل ولم يعطها حصتها.

* أو لربما انتظرت ساعات وساعات على دور البنزين ولم يصل دورها إلّا بعد مضي يومٍ كامل، وعندما وصل كان قد فات الأوان وانتهت الكمية المتوفرة!

* وربما لم تسطع أن تسجل ابنها في المدرسة لسبب مادي ولكثرة الوسائط، أو أنها لم تتمكن من تأمين الملابس والكتب المدرسية وحاجاته الغذائية لنموه.

* ربما، دخلُ زوجها ليس كافياً أو أنه عاطل عن العمل حتى وعليها تسديد إيجار المنزل.

* ولربما هي طالبة جامعية وعاملة بنفس الوقت وعادت من الجامعة إلى الدوام منهكة متعبة ، و اذ بها بموقف دفاع عن صديقها فأصبحت بحاجة الآن من يدافع عنها !

* ربما انتظرت لساعات قبل أن تركب المواصلات (السرفيس أو الباص) بسبب غلاء أجرة التاكسي. وعندما صعدت به لم تستطع الجلوس لكثرة الحشود والناس -المتكدسة فوق بعضها البعض- حيث لا يوجد مكان لنفس إضافيّ. وربما أيضاً تعرّضت في الباص لنظرات أو حركات أو تحرش! نظراً لقرب العامّة الشديد من بعضهم لدرجة الاحتكاك. 

* ربما تنتظر حصتها من البطاقة الذكية و لم تحصل حتى على عبوة غاز!

* ربما كانت تعاني من قطع الكهربا الكثير أو وجود عطل دائم بمخزن الكهرباء في الحيّ، وربما كان السبب إحباطها من كثرة طلب المساعدة لتصليحه وعدم استجابة أي أحد، أو لربما حتى انتهى الأمر بالمماطلة والتسويف بعد الرد على الشكاوي!

* ولربما كان لديها ورقة في دوائر الدولة بحاجة الى تواقيع وموافقات وطوابع وإلى الآن لم تنته منها منذ شهر وأكثر نظراً للفساد والوعود الكاذبة والتأجيل "تعى بكرا"، ربما أرهقها التجول في الدوائر وبين الطوابق تستجدي الأشخاص كأنها تشحد!

* ماذا لو كانت قد فقدت أحداً في هذه الحرب وتوفي لها شخص قريب، وما هذا التصرف إلّا ردة فعل لتحمي صديقاً آخر! 

* ماذا لو أنها خسرت وظيفتها السابقة أو الوظيفة الثانية التي تحتاج دخلها لتكفي مصروف عائلتها، وأتعبتها رحلة البحث عن شواغر بلا أي جدوى. وما لها من مصاريف دراسية لابنها وغذائية ويومية ومسؤوليات كثيرة كثيرة! 

وربما، وربما والكثير من الاحتمالات الكثيرة الأخرى! لكن، هذه ليست حال فاتن فقط! هذه حال كل مواطن سوريّ. كل هذه الاحتمالات يعيشها أي شخص في هذه البقعة من الأرض ومنهم المواطن الذي لقبناه بالضحية، ضحية الفساد، الذي هو أيضا قد استاء من هذا الواقع ورفض الرحيل و ظلّ واقفاً بانتظار أن يأخذ حقه. كلّنا نريد هذا الحق!! كلّنا نريد أن نأخذ ما لنا بكرامة!!

كلنا نريد أن نحصل على لقمة العيش دون ذلّ وإهانة للنفس، وأن نعيش حقوقنا دون صراع ودون هدر للوقت، دون استهلاك لذروة طاقاتنا. هذا كلّه دون اعتبار الرفاهية من حقوقنا اليوم!

نحن جميعنا ضحايا. فاتن ضحيّة والمواطن ضحيّة، ضحيّة هذا الواقع دون أن نعرف من معنا ومن علينا، دون أن نستوعب ماذا يحدث حقّاً؟ وكيف ؟ ولماذا؟ نتلقى الضربات من كل جبهة ومع كل قرار، ورغم كل ذلك نحاول البقاء على قيد الحياة كل يوم.

لكن، وصفنا بالضحية لا يليق بنا! ونحن كشعب لم نرضخ له يوماً! كنا دائماً أقوياء صامدين. صامدون لأجلنا، لأجل أولادنا و عائلاتنا، لا لأجل أي أحدٍ آخر! رغبة منا في تغيير واقعنا نحن، لم يبق لنا الآن في هذه المعركة سوى أنفسنا دون الإتكال على منقذ. وهذا لن يتغير إذا ما تعاملنا مع بعضنا بطريقة معاكسة تماما! ماذا لو رأفنا بحال بعضنا البعض؟ ماذا لو استطعنا أن نقدّر أننا جميعنا متعبون، جميعنا مرهقون! كلّنا نحمل الجبال نفسها، ونتحمّل تلك الضغوطات المعاكسة نفسها! الجميع ضد تلك المعاملة بحقّنا، والجميع أيضاً ضد ذلك الذل وذلك الفساد. ماذا لو عاملنا بعضنا بمحبة أكثر؟  لكي نخرج من هذا الكبت بطريقة نقدّر فيها ظروف الجميع "فالمشروب واحد والكأس واحد" وجميعنا في القاع، فلنجعل هذا القاع مكاناً رحباً بسلكونا و رحمتنا و مساعداتنا و محبتنا حتّى يتّسع لنا جميعاً ونخرج منه جميعاً! لنأخذ من هذا الضعف قوة ومحبّة.

هذه فقط وجهة نظر أخرجها تفكير خارج هذا الصندوق المغلق، وتفكير حيادي نظراً لخلفية هذا الواقع الموحش. 

#كارلا_جمّال

 

أخبار
الجمهورية العربية السورية