إلى أين بعد؟

Like118
Post
الصورة
compass in hand

أمشي اليوم في الطرقات وأجد وجوهاً شاحبة، وكل من يمر بجانبي يترك رائحة السؤال "إلى أين بكل هذا؟". منذ أعوام سمعت سؤال أحدهم: ما هي الشرور التي زرعناها لنحصد هذا الخراب كله؟

و أنا الآن أجيب يا سيدي السائل، نحن لم نزرع شيئاً لأنَّ أمثالنا لا يملكون أرضاً، لا نملك حبة قمح أو حتَّى رغبةً في شرٍّ لنزرعه. هذه الحرب لم تنجب إلاَّ من أحبَّهم أمل دنقل. نحن التائهون في هذا الخراب، نحن من تلقون في أحشائنا ما زرعتم، تلقون الحروب، و الفقدان، والخوف، والغلاء ورائحة الموت.

أكتب باسم السائلين على أبواب المساجد، وباسم الأمّهات التي تلتصق بزوايا الطرقات تضع طفلها في حضنها عله يثير شفقة المارَّة إن لم تحرِّكها هي بدعواتها، أكتب باسم ( العاملين عليها ) والسَّلام على المؤلفة قلوبهم، أكتب باسم من سألني الى أين بكل هذا؟ أكتب إلى المتاجرين بلقمة العيش. نحن لم نكن شركاء تجارتكم عندما ربحتم و لن نكون يوماً، فلِمَ تُلزموننا بالخسارة الآن!؟ كيف سأشرح التيه هذا لطفلي إن سألني "أين الحليب يا أبي؟" ثمن حليبك ياصغيري في جيوبٍ لم تشبع، أيكفيه هذا!؟ أم عليَّ أن أخبره كما أخبرني التاجر غلاء العلف و المواد الأولية في المعامل و سوء مزاج البقر هو السبب في أن سعر حليب طفلي يبلغ عمل يومي كله.

نحن من كنّا نطعم الطير ولا يجوع في بلدنا دابّة، ترانا ننهش في لحم بعضنا الآن وكأنَّ "البقاء للأقوى" باتت غريزة الانسان كما الحيوان، أأصبحنا سواسية!؟ خجلُ طفلي من الاقتراب من جيبي أمر يؤلمني يا سيدي السائل ياترى ماذا زرعت لأحصد هذا الألم !؟ والله لو أني وضعت العمر كلّه بين يديه لن أكفُّ عن وضع المزيد. لكنّهم سرقوا العمر ولم يتركوا لطفلي شيئاً!

سأخبرك بجوابي..

و أنا أمشي أتذكر عندما كانت الحرب بدأت بالاشتعال، والناس تركض الى منازلها خوفاً على روحٍ بداخلها علَّها تنجو، تذكرت عندما كان احتمال أن تسقط قذيفة أمامي أكبر من احتمال أن أعود سالمة الى المنزل، تذكرت الخوف كله و الضعف كله. وكلَّ ذلك كان أهون على قلوبنا مما نعيشه اليوم، أهون من أن ترى خيبة عجوز عند خروجه من متجر البائع، برأسه المحنيّة و يده المرتجفة. أهون من تعرف أن الأطفال لم تعد تشير الى المحلات تريد الالعاب من والدتها لأنهم يعرفون أن ثمنها يعني النوم بلا طعام وأن الطعام اليوم يعني أن الجوع غداً.

و في كوكبٍ آخر، "كوكب المزارعين"، العشاء الفاخر في المطعم واجب، و النزهة يوم الجمعة فرض، و الثياب على وقتها وكأنها صلاة، لم يتغير عليهم شيء.
و عندما تمر من أمام سائل تخبر طفلها "اي يا ابني معو اكتر مني و منك"

نعم يا ولدها إنه يملك قلبا بداخله ومشاعر كثيرة وربما جوعاً شديداً، يملك أحلاماً لأن لا أحد يرغب بمكان كهذا، يملك الشبع إن اكتفى، يملك رد السؤال إن طلبت منه، يملك روح بداخله أوصاه الله بها وأوصانا بها، يملك ملامح حقيقية وألماً يُخففه أغلى من ثمن عشاءكم في المطعم الفلاني!

إلى أين بكل هذا؟!
الى لا مكان، هذه الطرقات لا تؤدي الى روما بل الى عبثية الحياة 
الى لا نتيجة، لأن القادم ربما يكون أسوأ مما نحن فيه
الى ذات العجلة، فمن لم يتعلم من التاريخ يكتب عليه تكراره

نحن الطرف الخاسر بكلّ الأحوال. أجيبك الآن وأنا ألملم ملامح العابرين، المحطمين من فوضى الأرض، وأجمع الحروب و الراحلين والمفقودين والمتاجرين بهذه السطور حيث لافرق بينهم سوى الموقف.

لن تُنسى مأساة انسانيّة كهذه، ولن تمر خاتمتها بسهولة
فالتحقيق سارٍ و القاتل لم يصبح في أيد العدالة بعد

مدونة