ما بين الماضي وإعادة صياغته، وما بين الأحلام التي تتعلق بالماضي؛ ما القصة؟

Post
الصورة
لوحة ليلة النجوم للفنان الهولندي فينسنت فان غوخ
هذه لوحة رسمها الفنان الإنطباعي الهولندي فينسنت فان غوخ من خارج نافذة غرفته في المصح في عام 1889 م وكانت عن ليل مدينة سان ريمي دو بروفنس على الرغم من أنه رسمها في النهار وأن كل مارسمه هو من ذاكرته عن تلك الليلة التي رآها.

ألقى سيغموند فرويد ما بين عامي 1915 و 1917 محاضرة في موسمين جامعيين أرادها أن تكون مدخلاً لدراسة التحليل النفسي، كان من بينها شروحه وتفسيراته لتأويل الأحلام، وافترض أن الأحلام هي ظاهرة نفسية بدافع شخصي نحو تفسير ظواهر الأحلام وربط بعضها ببعض حتى يتاح لنا فيما بعد السيطرة عليها. الأحلام إذن نافذة على أرواحنا، ومرآة لخفايا واقعنا، لكن هل الأمر بهذه البساطة؟

يقول فرويد في كتابه (محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي) أن الحلم ظاهرة نفسية وأن عقول الناس تحتضن أشياء معينة يعرفونها دون أن يدركوا ذلك، مفسراً معنى أن تنطوي نفس الإنسان على معرفة معيّنة دون أن يعرف شيئاً، وهذه هي حالة الحالم، فالحالم بالنسبة لفرويد يشتق حلمه من مجموعة من الأفكار والاهتمامات الحبيسة في عقله دون أن يدرك ذلك، وتظهر له في الحلم بذلك الشكل الذي يراها، وهذا يسمى (اللاوعي).

والعقل اللاواعي هو المكان الذي تقع فيه كل ذكرياتنا وتجاربنا السابقة، تلك الذكريات قمعت بسبب صدمة ما، وببساطة أدركنا نسيانها ولم تعد مهمة لنا، (الأفكار التلقائية) تلك الذكريات والخبرات التي شكّلت لنا المعتقدات، والعادات، والسلوكيات.

فاللاوعي يقع في طبقة عميقة فهو حقا كالقبو، مكتبة تحت الأرض إذا أردت، تحتوي على كل ذكرياتك وعاداتك وسلوكياتك، فهو مخزن لكل مشاعرك عميقة الجذور التي تبرمجت منذ الولادة.

فما تأثير اللاوعي في الحياة الحقيقية؟ هل اللاوعي موجود حقاً؟ وهل يستخدم الأحلام ليرسل لنا رسائل وتحذيرات؟

وضع فرويد نموذجاً تقليديّاً للاوعي منذ ما يزيد عن قرن، وتبعاً لنظريته نحن نخضع لثلاث قوى رئيسية[1]:

  1. الجزء الحيواني: أو ما يسمى (ID) وهو الذي يدفعنا لكي نرضي احتياجاتنا الأساسية، وتكون غالباً هذه الاحتياجات جنسية أو فسيولوجية.
  2. الحس الأخلاقي: (Superego) وذلك نظراً لعدم قدرتنا على مهاجمة الآخرين أو ممارسة الجنس عشوائياً فإننا في حالة صراع دائمة بين الوازع الأخلاقي والوازع الحيواني.
  3. الذات المنطقية: وسماها فرويد (الإيجو ego) وهي تحاول الوصول إلى تسوية بين الاثنين.

تبعاً لفرويد فإن هذا الصراع يحدث مئات بل آلاف المرات داخل العقل لكننا لا نعرف عنها الكثير وذلك لأنها تحدث في الدماغ اللاواعي لدينا.

بعد ذلك دحض الكثير من العلماء النظريين بعض تفاصيل نظريات فرويد إلا أنهم احتفظوا بالفكرة العامة من نظرياته وهي (اللاوعي)، إنه جزء من عقلنا الذي يفكر ويشعر خلف الستار، إننا حرفياً نمتلك عقلاً آخر مع عقلنا، يتحكم هذا العقل بأفعالنا بشكل ما دون أن نستطيع أن نصل إليه مباشرة.

المشكلة العلمية هي أنه لا يمكن قياس العقل اللاواعي وملاحظته، وهذه هي أفضل التفسيرات غير المباشرة.

إذا كان ما يختبئ تحت ستار العقل اللاواعي هو الماضي الذي ينعكس بشكل أو بآخر في أحلامنا، فهل يمكننا التحكم في الماضي واعتباره – بشكل أو بآخر – تحكم ببعض أجزاء عقلنا اللاواعي؟

هل لدينا القدرة على تغيير الماضي؟ ما الذي يمكننا تغييره من شيء قد حدث بالفعل؟ ما الذي بقي من الماضي؟

يبقى لنا من الماضي ذكرياته، أو ما نسميه (شعور السعادة) أو الشعور بالصدمة، نحن نتحدث عن الذاكرة هنا التي احتفظت بالماضي، والقصة التي تجري بحلقة لامتناهية داخل عقولنا، وبطريقة ما؛ تلك الأحداث هي من تشكلنا وتشكل مستقبلنا.

نحن نشعر بطريقة ما أننا مطاردون بسبب ما حدث معنا في الماضي، علم الـepigenetics [2] وهو يعني "علم ما فوق الجينات" يخبرننا أننا نتاج لتجاربنا الحياتية وأن خلايانا لديها تكنولوجيا قادرة على تحويل تجاربنا الحياتية إلى بيولوجيا تظهر في شخصياتنا وسلوكنا مما يجعلنا منتج للأحداث والتجارب التي مررنا بها.

ومن الرائع حقاً أن الصياغة الإدراكية الخاصة بنا يمكنها استخدام اللغة لإعادة صياغة ما حدث لنا في الماضي، بمعنى آخر القصة التي نختار روايتها مما حدث في الماضي من الممكن حقاً أن تغير ما حدث، فالصياغة الإدراكية التي نعطيها لتجاربنا يمكنها أن تغير ردة فعلنا الفيسيولوجية اتجاه تلك التجارب.

فأنا في الحقيقة عندما أفعل ذلك أعيد تدوير هذه التجربة ثم أخرجها في عمل فني بشكل آخر، فهذا القرار الذي اعرته لصياغتي الإدراكية سمح لي بتغيير الماضي، وأيضاً لتغيير بعض أجزاء العقل اللاواعي مما يعني تحكماً أكثر بالمستقبل.

فمثلاً كلنا مررنا في مواقف تركت في نفوسنا الكثير، ربما تكون بسيطة لكنها مختبئة وراء ستار العقل اللاواعي، كرؤيتك لمكان ما دائماً في حلمك أو شخص ما تلمحه من بعيد.

جرب أن تستخدم الصياغة الإدراكية لتتحكم بتلك الذكريات التي تعبث بأحلامك، كروايتك لقصص عن ذلك المكان وأنت تخرج منه، أو تتجاوز الأشخاص السيئين وتمضي.

تسمى هذه العملية "بالتفكير الآلي – automatic thinking" فهذه العملية تسهل لنا الوصول إلى أفكارنا اللاواعية إن أردنا ذلك، فمن المريح أن نعلم أن عقلنا اللاواعي يقع تحت رحمة اختياراتنا الواعية، لا العكس.

أنت فقط من يمكنك اختيار القصة التي ترويها.

_________________________________________

[1] هل اللاوعي موجود حقّاً؟، 2017

[2] علم ما فوق الجينات هو العلم الذي يهتمّ بدراسة التغيرات في الأنماط الظاهرية الوراثية التي لا تحدث بسبب تغيّرات في تسلسل الـ (DNA)وبعبارةٍ أبسط، علم ما فوق الجينات هو الذي يدرس بشكلٍ رئيسيّ العوامل الخارجيّة والبيئيّة التي تنشّط أو تثبّط عمل الجينات، وتؤثّرعلى كيفيّة قراءة الخليّة للجينات.

مدونة
الجمهورية العربية السورية