COVID-19 سلب الحياة

Like100
Post
الصورة
STAY SAFE

اليوم: الخامس والعشرين من نَيسان 
الوقت: العاشرة ليلاً 
المكان: غرفة العناية المركَّزة 
الأشخاص: هُم الجميع ، حتَّى و إنَ كانَ ذلكَ بلا مقدمات،
الأشخاص هُم الجميع ، حتَّى وإن كانَ ذلكَ بلا إنسانية ،
الشُّعور: خطٌ مستقيم ، والجميعُ صامت.

إلى طفلتي الصغيرة
أخبركِ اليومَ أنَّ الجميع يلعبُ الغُميّضةَ هُنا و إن كانَ للأمرِ انتقاص.
الجميعُ مُختبئ يا طفلتي،فهناكَ على السَّريرِ فتاةٌ عِشرينيَّة اختبأت بنَحالَتِها حتَّى ظَننتِ أنَّ لا أحد هُناك، وعِقدٌ على عُنقِها تدلَّت منهُ حمامةٌ دونَ أجنحة، حمامةٌ دونَ سماء .
على السريرِ بجانِبها والدتها، وقد غطَّاها الشَّيبُ حتَّى أنَّكِ لم ترَيها بعينيك الصغيرَتيَن تلك.
كانت تُخبِرَها الحكاية ذاتَها منذُ أن كانَ عمرها خمسةُ أعوام،
تُخبرُها أنَّ عليها سلكَ الطريقَ القصيرَ لا سلكَ الطريقَ الطويل، كما فعلت ليلى.
الطريقُ الطويلُ الذي مشَينا به جميعاً
لا أعلم إن مشَينا مع الذئاب أم أصبَحنا نحنُ هم عندما كَبرنَا،
وهناكَ أَحدُهم بجانبِ النافذةِ يقفُ مرتدياً بذلةً بيضاء و ربطةَ عُنقٍ سوداء، لم يكن لها داعٍ في الحقيقةِ لأنَّهُ لن يذهبَ إلى عملهِ اليوم، لكنَّه ربما الأمل الذي يجعلنا ننتظر دائماً رغمَ أنَّ الحقائقَ تشيرُ إلى العكس -لا تنامي ياصغيرتي لم أُكمل -
هناكَ الكثير هنا ، طفلةٌ بضفيرَتَينِ تشكو لوالدتِها الملل.
شابٌ يقفُ أمامَ المرآةِ يقرأُ أحلامَهُ على نفسِه حتَّى لا ينساها، وامرأةٌ توَضِّبُ أشياءَها للمرةِ الخامسةِ على التوالي وهي تغني:

"في أمل 
اييييه في أمل"

هنا يا صغيرتي كان الجميع لشهرٍ وأكثر تحت حجرٍ صحيّ والصحةُ تبلى بالاشتياق والوقتُ يمضي كما الترياق .
لم يكن للجميعِ ذنبٌ، ولم يكن لهم ردَّةُ فعل، لكنَّ الحياةَ كانت تُسلَب .
عندما آخذ منكِ يومَكِ فأنا سلبتُك حياة،
عندما آخذ الطرقاتً التي تمشيها كلَّ يوم، فأنا سلبتُك حياة،
عندما آخذ منكِ شغفكِ واندفاعكِ ودراستكِ ورحلاتك وأصدقاؤك وعائلتك، فأنا قد سلبتك حياة .
جدران هذه الغرفة كانت تصرخُ بأماكن الجميع دائماً،
لكن لم يقل أحدُهم أنَّه عثرَ على الآخر لأنَّه لا يستطيع، 
و ما الفائدةُ من ذلك، فالكلُّ لا يستطيع التنَّفس !

اليومَ وردتني مكالمة من امرأةٍ تخبرني أنَّ صديقتي هناكَ 
على سريرٍ ما وبيدِها شريطَ حرير يُدخلُ العِطرَ إلى جسدها.
قالت لي :عزيزتي، صديقتُكِ صابها ضيقاً في التنُّفس وصرَخت تطلبُ الإسعاف، ادعي لها بالشفاء .
في الحقيقةِ لم أكن أعلم أنَّ هواءَ الكرة الأرضيَّة لم يعد يكفي لنا، حتى باتَ الجميع يختنق للحظة .
تكوَّرتُ على نفسي، وأخذت أردِّدُ أحلامَها التي كانت تخبرَني بها .
في هذا اليوم لم أكن أشعر بشيء، لكنَّني أستطيع ُإخبارَكم أنَّنا جميعاً مرتبطونَ ببعضِنا بشكلٍ يُدمي الروحَ لو تفرَّقنا.
في الرخاءِ لكلٍّ منَّا أحلاماً بعيدةً عن بعضنا، لكن في الشِّدةِ تُدركُ أنَّك لاشيء دونَ ابتسامةِ والدتك،
و أنَّ داخلكَ أجوَف دونَ دعاءِ والدك،
و أنَّ قلبكَ فارغ دونَ حديث أصدقائك،
وروحُكَ معلَّقةٌ بينَ السماءُ و الأرض دونَ من تُحب،
وفي الدَّاخلِ هناكَ حيثُ الشُّعور، مكانٌ يتذكَّر ملامحَ الأشخاص في الحافلة، والعم صاحبَ محلِّ البقالة، وجميعَ من مرُّوا بجانبك.
من معركةِ سلبِ الحياةِ هذه عَلِمتُ أنَّ لو النّعيمَ كان فارغاً لما دخلهُ أحد، علمت أن لو مسَّ صديقي شرٌّ أصابَني ضعفُه، و أنَّ كلَّ ألمٍ بالتنفُّس لأحدهم يصيبُ رئتَيَّ بالشلل.
تلكَ المكالمة التي أخبرَتني أن صديقتي في المشفى هَوت بي إلى وادٍ ليسَ بذي زرع،
وادٍ ارتدَّ صدى ارتطامي به إلى السماء.
إلى طفلتي وكلَّ من يقرأ عانقوا مَن تحبونَ كلَّ يوم كأن لو كان هذا آخرَ يوم .
أرسلوا الدعاءَ إلى السماءِ كلَّ ثانية لأن يكونَ العمرَ كاملاً معهم
دعاءً سليماً من كلِّ مرض، من كلِّ مأزق 
دعاءً فقط لوجودهم، فقط لامساك يدهم، لعناقهم، لصحتهم،
لكلِّ لحظةٍ معهم ،فإنَّ الحياة َوالله ما كانت بغيرِهم .

كلَّ عامٍ و نحن بخير دون مناسبة، دون رسميات، دون احتفالات .
هنا الآن نحنُ بحاجةٍ لأن نكون بخير 
لأجل عناقِ أمي و دعاءِ أبي، لأجل شفاء صديقتي ،نحن بحاجةٍ لأن يكونَ جميعهم بخير .

مدونة
الجمهورية العربية السورية